فحينما تكون ذواتنا غير محصنة، وحينما لا نكون مهيئين لنتفاعل مع الثقافات والتيارات الخارجية، فإننا نكون عرضة لكل الآفات.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحركة الوطنية نفسها لم تكن في مستوى المسؤولية التاريخية، فالمدرسة الفرنسية في المغرب العربي لم تنجح فقط بسبب الدعم اللامحدود من الدولة الفرنسية، ولكن أيضا لتوفرها على مقومات المعاصرة، بينما نجد أن الحركة الوطنية، في مواجهة الغزو الثقافي الأجنبي، وقفت عند خطاب المحافظة على الهوية، بيد أن الهوية ليست شيئا محنطًا، ولكن ينبغي أن تكون شيئا فاعلا ومتفتحا وقويا، وبالتالي لا بد أن تستجيب لمتطلبات العصر، خاصة في المجالات الفكرية والعلمية والاقتصادية وهو ما لم يحدث للأسف.
ويستبعد محمد يتيم إدراج التطرف الديني ضمن الأخطار التي يمكن أن تهدد الهوية الإسلامية في البلدان المغاربية، مشيراً إلى أن الهوية إذا كانت مبنية على أسس راسخة، لا يمكن أن نخاف عليها من أي تطرف، وموضحا أن التطرف الذي يوصف بـ" الديني" هو في واقع الأمر مسألة اجتماعية وظاهرة سياسية.
وعموماً فإن التطرف، دينياً كان أو سياسيًا أو عرقيًا، لا يشكل خطرا إلا حين يتحول إلى عنف، أي حين يتحول إلى حركة مادية رافضة لوجود الآخر، ومطالبة بإقصائه، وما دام مجرد خطاب نظري، فلا يشكل خطرا حقيقيا على الهوية الإسلامية، لأن التاريخ يصفي الحركات المتطرفة، وقد ظهرت في التاريخ الإسلامي حركات متطرفة، نظريا وعمليا، ولم تهدد هذه الهوية.
إضافة إلى أنه لا يمكن للتطرف أن يتحول إلى عنف إلا إذا سدت في وجه الناس سبل التعبير، إلا إذا كان هناك استبداد، وبالتالي فالخطر ليس في التطرف الديني، أو السياسي أو العرقي، وإنما هو في التطرف الاستبدادي فإذا وجدت هناك أنظمة استبدادية تسد جميع المنافذ، فإن التطرف يكون تعبيرا سياسيا أكثر منه تعبيرا دينيا.
والتطرف الديني، بالمعنى المتداول، موجود لدى أشخاص لديهم فهم منغلق للإسلام، يتغذى على أوضاع مأزومة، ومتى تغيرت هذه الأوضاع من الناحية الاقتصادية والسياسية، فلا يمكن لهذا التطرف أن يعيش.
ومن المستبعد أن يستسلم المغاربة لأي نوع من أنواع التطرف لأنهم على امتداد التاريخ كانوا ميالين إلى الوسطية والاعتدال، وكثير من الحركات الإسلامية المتطرفة التي ظهرت في المشرق لم يظهر لها أثر في المغرب، أما ظاهرة العنف التي تجتاح الجزائر، فلم تنجم عن التطرف الديني كما يروج البعض، وإنما جاءت ردا على الانقلاب العسكري على الديمقراطية، لمنع الجبهة الإسلامية للإنقاذ من استلام الحكم، أي أنها جاءت ردا على قمع إرادة الشعب الجزائري التي عبر عنها في صناديق الاقتراع.
ويرفض هذا الباحث الإسلامي، بأي شكل من الأشكال، أن يدرج الانتماء العرقي ضمن الأخطار التي تواجه الهوية الإسلامية في المغرب العربي، مؤكدا أن الأمازيغيين متشبثون بالإسلام قدر تشبث العرب به، وأن كثيرا من أعلام الحركة الإسلامية في المنطقة هم أمازيغيون.