وخلل، فتفككت القوة الروحية، وضعفت الفكرة الإسلامية، ووقعت انحرافات فكرية وسلوكية جماعية وفردية، وبالتالي تفككت شبكة العلاقات داخل المجتمع الإسلامي، كما يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي، وظهرت فينا القابلية للاستعمار.
في هذه الأجواء جاء الاستعمار نتيجة لما سبق، فقام بتفكيك ما تبقى من منظومة القيم داخل المجتمعات الإسلامية، فكك المؤسسة التقليدية وفكك التعليم، وفكك النظام السياسي، وكانت عملية التفكيك منهجية طالت جميع مجالات الحياة، وبدأ الاستعمار يرسي مؤسساته في الاقتصاد، فظهر النظام الربوي مثلا، وفي مجال التعليم جاءت المدرسة الاستعمارية لإلغاء المدرسة الإسلامية، التي كانت منتشرة في مختلف دول المنطقة.
ويقول هذا الباحث: إن الاستعمار العسكري والاقتصادي، إنما كانت غايتهما تحقيق الاستعمار الثقافي، الكفيل بتغيير منظومة القيم الأصلية، لتيسير التبعية، فنشأ فينا، وهذا هو الأخطر، ناس يتكلمون بألسنتنا، ويسمون بأسمائنا، لكن قلوبهم قلوب الأعاجم، وأصبح بيننا ناس يدافعون عن الاستعمار، في وجه الدعوة لتطبيق الشريعة.
وهكذا فإن ثمار الاستعمار تمثلت في النخبة التي تولت الحكم في المنطقة، ليس الحكم السياسي بمعناه الضيق، وإنما بمفهومه الواسع الذي يشمل السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية، هذه النخب تشكلت تحت عين الغرب وبرعايته، وبالتالي فبعد خروج الغرب من الباب، عاد من النافذة عبر هؤلاء الذين نسميهم وكلاء الاستعمار داخل دول المغرب العربي.
فالنخبة الفرنكفونية تجد نفسها اليوم، ربما دون وعي، موالية للغرب فكريا وثقافيا، وتدافع عن قيمه، وهذا من أخطر آثار الغزو، لأنه في تغلغله تسلح بالمدرسة، التي ما يزال الصراع قائما بشأنها مع المستعمر إلى اليوم، فلا يزال وكلاء الاستعمار من أبناء المنطقة، يصرون على أن تبقى الهيمنة للغة الفرنسية في مناهج التعليم وفي وسائل الإعلام وفي الاقتصاد الوطني، وكل المحاولات التي تم بذلها لتعريب الحياة العامة في دول المغرب العربي، ظلت تصطدم بالتدخل الفرنسي السافر من جهة، وبوكلاء الاستعمار من جهة أخرى.
الأخطار الداخلية
ورغم ما يبدو من فداحة الأخطار الخارجية، فإن أول ما يتهدد الهوية الإسلامية في البلدان المغاربية، هي الأخطار الداخلية بالأساس، فحينما تكون ذواتنا قوية ومحصنة، فإن الأخطار الخارجية سيبقى أثرها محدودا، أما عندما نفتقد الحصانة الكافية لمقاومة الأخطار الخارجية فإننا نصبح مجرد قصبة في مهب الريح.
فالمشكل الأساسي ليس في الأخطار الخارجية، وإنما في ذواتنا نحن، وهل هي صلبة كالنخلة التي تأتيها العواصف العاتية فلا تحركها، المشكل هو في دواخلنا، مصداقا لقوله تعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا قل هو من عند أنفسكم".