تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخارجية، ثقافية أو لغوية أو دينية أو سواها، كانت دائما موجودة، وإن وجود تيارات فكرية أخرى، أو منظومات حضارية أخرى، هي سنة من سنن الوجود الاجتماعي البشري، وهو ما جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" وهو تأكيد واضح على وجود مخاطر خارجية تتهدد الوجود الحضاري الإسلامي فالعالم الإسلامي كان دائما عالمًا مفتوحاً.

وإذا رجعنا إلى التجربة الإسلامية الأولى في مكة المكرمة، نلاحظ أن هذا الدين الحنيف نزل في جو معادٍ، كان المشركون يعادون الدعوة، وانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة حيث وجد اليهود الذين عقد معهم عهدا سرعان ما خانوه، ,إذا رجعنا إلى غزوة الخندق وجدنا أنها مؤامرة عالمية، في ذلك الزمان، تحالف فيها المشركون مع اليهود، ثم تحالف معهم المنافقون الذين ينتسبون للإسلام ظاهريا لكن قلوبهم مع أعداء الأمة فالأخطار كانت دائما موجودة، والآخر كان دائما موجودا.

صحيح أن الإسلام خرج من شبه الجزيرة العربية، لكنه لم يكن دينا عربيا فقط، وإنما هو لجميع الأجناس التي دخلته بثقافاتها، فتجمعت تحت لوائه الثقافة الفارسية، والثقافة الرومانية، والثقافة اليونانية بفلسفتها وبتصوراتها، ومن خلال هؤلاء وأولئك دخلت منظومات دينية أخرى من وثنية ومجوسية ويهودية ونصرانية، لكن هذا كله وجد ذاتا مسلمة قوية ومحصنة، صحيح أن أشكالا من التأثر بهذه المنظومات كانت تظهر من حين لآخر في الحياة الثقافية، وحتى في الحياة السياسية، لكن رغم ذلك، نجد أن الإسلام، حيث كان يشكل قوة حضارية، كانت له قدرة على الاستيعاب، لأن المسلمين كانوا قادرين على احتواء كل الأخطار الخارجية.

والفرق الآن هو أننا نوجد في مرحلة حضارية، وفي مرحلة ثقافية مغايرة، تشكو فيها ذواتنا من اهتراء من الداخل، ولا تقوى على المقاومة، لذلك فإن هذه الأخطار يبدو أثرها واضحا في جسمنا الحضاري وفي جسمنا الثقافي.

ولا يمكن أن نتحدث عن أثر التحول من وضع الريادة الحضارية إلى وضع التبعية الحضارية، دون أن نتحدث عن عامل الاستعمار الذي هيمن على هذه المنطقة ردحا من الزمن، يختلف باختلاف دولها، وهذا الاستعمار علينا أن نفهمه في إطار صيرورة معينة، فهو إنما جاء نتيجة لما يمكن اعتباره بالوهن الذي أصاب الذات الحضارية الإسلامية بهذه الديار.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأَكَلة إلى قصعتها. قالوا: أَمِنْ قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".

فالظاهرة الاستعمارية جاءت نتيجة تغيرات وقعت في البنية الإيمانية والنفسية والفكرية لأبناء هذه المنطقة، كما وقعت في اهتمامات الإنسان المسلم، الذي لم يعد ذلك المرتبط بالآخرة، المستعد للجهاد وللتضحية في سبيل الله، وغير المرتبط بمتاع الدنيا وزخرفتها، وإنما أصبح إنسانا دنيويا استهلاكيا، همه إرضاء نزواته الشخصية، فما عاد يعيش لقضية الأمة، وإنما أصبح يعيش لذاته الصغيرة، لذلك وقع ضعف

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٣٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٣٥٥