الإسلامي السياسي مع إلحاحه على أنه حديث من بين عدة أحاديث موسومة بالسمة المسيحية ويعود به الزمن على الأرجح إلى القرن الثاني من العهد الإسلامي، ولكن مع إصراره ذلك يرى أنه ليس هنالك أية مقولة نظرية رسمية تقول: إن الحاكم إنما هو نائب الله في الأرض، وبناء على هذا التوصيف التاريخي فإن وصف الطاغية إنما هو آخر تلك الأوصاف، وهناك يسود الفساد وتحل النقمة بالمجتمع الإسلامي وما على المسلمين إلا أن يفهموا أن ذلك إنما هو نبوءة نبيهم يخبرهم عن تاريخهم وما سيؤولون إليه.
نجد في مقابل ذلك أن ألفاظاً مثل الأب أو الملكة غير موجودة في التاريخ الإسلامي وإنما هي تشير بشكلٍ أو بآخر إلى التصور المسيحي لعلاقة الفرد بالحاكم، فالحاكم أشبه بأب يرعى أفراد مجتمعه، والملكة مصطلح إذا حضر في المخيلة فإنما يشير إلى بيزنطة ونظامها السياسي، والمهمة الأساسية للحكومة في النظام الإسلامي هي أن يمكن الفرد من أن يعيش حياة إسلامية صالحة، والقانون الأساسي للحياة الاسلامية الاجتماعية والسياسية ذلك القانون المتجسد عموماً بمقولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثل مسؤولية مشتركة بين الحاكم والمحكوم، أما تصوير الحاكم كأم فيبدو أنه كان مقيتاً جداً، ومن المحتمل أن تكون الكلمة القرآنية "الأمة" بمعنى الشعب أو الجماعة التي يربطها البعض بالكلمة العبرية "الأم" ما هي في حقيقة الأمر إلا كلمة هجينة جاءت إلى العربية من العبرية أو الآرامية (!)، وأما تصوير الحاكم بصورة الراعي وهو الأمر المألوف في العهد القديم و المحبوب من لدن الكتاب المسيحيين عن السياسة زمن العصور الوسطى فيظهر أيضاً في الكتابات الإسلامية القديمة منها والحديثة سواء بسواء، وأول كتاب مهم عن السياسة - وهو مقدمة كتاب (الخراج) الذي كتب للخليفة هارون الرشيد بقلم قاضي قضاته أبي يوسف - يحبك موضوع الحاكم كراعٍ على نحو طويل جداً.
إن هذا التباين بين العرضين الإسلامي والغربي يبين بمنتهى الجلاء نفاذ بصيرة المسلمين ـ حسب لويس ـ حيال العلاقات بالسلطة كعلاقات أفقية لا علاقات عمودية كما هي عليه الحال في العالم المسيحي، فهذا المجتمع مجتمع يرفض من حيث المبدأ دائماً، ومن حيث التطبيق غالباً وإلى حد ما، الهرمية والامتيازات بالاضافة إلى أنه مجتمع تعتمد فيه السلطة والمنزلة بالأساس على القرب من الحاكم والتنعم بعطفه لا على كرم المرتبة الاجتماعية، وهذا التباين إنما هو امتداد لفارق تاريخي مهم بين الكتابات الإسلامية والكتابات الكاثوليكية عن التاريخ والسياسة زمن العصور الوسطى؛ فالحضارة المسيحية الغربية ولدت في خضم فوضى الغزوات البربرية أي في مناخ سياسي تهيمن عليه حقيقتان متباينتان مع أن واحدتهما على صلة بالأخرى هما: سقوط الدولة الرومانية وبروز الكنيسة المسيحية.
إن القديس أوغسطين وهو أول منظّر سياسي مسيحي كان يرى أن الأمة شيء من صنع الإنسان، لا بل وشيء خبيث، وأن الحكومة عقاب على الخطيئة الأصلية، بل وعلاج لها في أحسن الأحوال؛ فقابيل هو الذي أسس أول مدينة في خاتمة المطاف، وفي هذا الإدراك المستمد من تعاليم قدامى أنبياء اليهود والمصقول شكله بفعل أحداث الزمن كانت الهزيمة والتدمير هما الأداتين القدسيتين اللتين كان الهدف من