تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولد عيسى وتكلم في المهد، وأنزلت عليه المائدة، ورفع إلى السماء وفيه ماتت مريم، إن هذا هو موقف المسلم من الأنبياء وتراثهم ومن بيت المقدس، وهو موقف يقوم على التقدير والتقديس والشعور بالمسئولية الدينية والتاريخية.

وعلى العكس من هذا الإجلال الإسلامي لبيت المقدس، وللأنبياء والأخيار الذين اتصلوا به كان موقف اليهود.

فكل هؤلاء الأبرا ر الذين ذكرناهم وغيرهم قد نالهم من اليهود كثير من الأذى، ولولا عناية الله بهم لما أدوا رسالتهم، ولولا تنزيه القرآن لهم ودفاعه عنهم لوصل تأريخهم إلى البشرية مشوهًا بتأثير تحريف اليهود عليهم، وظلمهم لهم، وكما نقلنا عن توراتهم في النصوص السابقة.

إن المسلم إزاء كل هذا يحس بمسئوليته الدينية العامة تجاه بيت المقدس، باعتباره مركزًا أساسيًا لتراث النبوة.

ووفقًا لتعاليم الإسلام، فإنه ليس مسلمًا من لا يحمي تراث الأ نبياء كل الأنبياء من التدمير المادي أو التشويه المعنوى، وهو الأمر الذي سعى إليه اليهود في كل تاريخهم على مستوى الفكر حين حرفوا التوراة، وابتدعوا التلمود وملئوها بما لايرضي الله ولا يقبله دين سماوى، وعلى مستوى التطبيق حين عاثوا في كل بلاد الله الفساد، وحاربوا كل الأنبياء وأشعلوا الحروب، وجعلوا أنفسهم شعب الله المختار، وبقية الشعوب في منزلة الكلاب والأبقار، ولذا ينبغى على المسلم الصادق جهادهم دفاعًا عن شريعة الله الحقة، واستنقاذًا لتراثهم المعنوى والمادى.

إن المؤرخ الإنجليزي الموسوعي الأستاذ "أرنولد توينبى" صاحب أكبر دراسة للحضارات، وأحدث نظرية ظهرت في تفسير التاريخ، قد تنبه إلى هذا الخطر الذي يتجاهله الكثيرون في العالم، والذي يوشك أن يهز البناء الإنسانى كله. وقد وجه في سنة 1955م نداءً إلى الشعب اليهودي في إسرائيل وإلى العالم كله يقول لهم فيه: "لاتقترفوا أخطاء الصليبيين". ويقول لهم فيه أيضًا: لقد كان التخلف والتفسخ والفوضى والفساد يسيطر على العرب فصال الصليبيون وجالوا، وانتصروا في عشرات المعارك، وهددوا واستفزوا ما شاء لهم زهوهم وخيلاؤهم معتقدين أنهم قادرون على طرد العرب، وطمس معالم العروبة و الإسلام بحد السيف، كما اعتقد حكام إسرائيل بعد كل جولة منذ عام 1948، غير أن انكسارات العرب المتتالية في عهد الصليبيين قد فتحت عيونهم على عيوبهم، فعرفوا أن سر قوتهم في وحدتهم وتفانيهم، ووراء صلاح الدين ساروا فقطفوا ثمار النصر يوم 3 تموز/ يوليو 1187م في حطين.

وفي النهاية يطالب "توينبي" الأقلية اليهودية أن تعيش كأقلية مع العرب والمسلمين في أمن وسلام.

والحق الذي يستأهل أن يضاف إلى ما ذكره "توينبى" الذي سجل نداءه قبل أحداث 1967م أن قمة المأساة في قضية القدس هي مأساة القدس، فإن الأفراد والجماعات على السواء هي مخلوقات عابرة وذات أجل وتنتهي مآسيها بزوالها عن الحياة، ولكن هذا الشيء لاينطبق على الحضارات التاريخية، والتي تشكل أبنيتها وحجارتها وأزقتها وأماكنها المقدسة وذكرياتها والارتباط بها، رمزًا تاريخيًا وحضاريًا

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٣٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٣٥٠