تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ظلت إسلامية عربية منذ العهدة العمرية الآنفة الذكر سنة (15هـ- 636م) حتى سنة (1387هـ - 1967م) باستثناء فترة الحروب الصليبية (1099م - 1187م).

وقد توالت عصور التاريخ الإسلامي والمسلمون يعاملون أبناء الأديان الأخرى في القدس وغيرها أفضل معاملة عرفت في التاريخ لدرجة أن المؤرخ الإنجليزى الكبير "أرنولد توينبي" اعتبر ظاهرة التسامح الإسلامي ظاهرة فريدة وشاذة في تاريخ الديانات.

وكان أهل الذمة الأصليون يعاملون كأهل البلاد الأصليين دائمًا لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في إطار ما نص عليه الإسلام، وقد نص القرآن على معاملتهم بالحسنى، ومجادلتهم بالتي هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم، كما أوصى الرسول بهم خيرًا، وقد كان الخليفة العباسي هارون الرشيد يعامل الزوار النصارى للقدس المعاملة الإسلامية المعتمدة لأهل الكتاب، وقد سمح الرشيد للإمبراطو ر "شارلمان" بترميم الكنائس، وفي سنة 796م أهدى هارون الرشيد "شرلمان" ساعة دقاقة وفيلاً وأقمشة نفيسة، وتعهد بحماية الحجاج النصارى عند زيارتهم للقدس، لذلك كان شرلمان يرسل كل سنة وفدًا يحمل هدايا إلى الرشيد.

وقد زار القدس في القرن التاسع عشر "برنار الحكيم" وذكر أن المسلمين والمسيحيين النصارى في القدس على تفاهم، وأن الأمن مستتب فيها، وأضاف قائلا: وإذا سافرت من بلد إلى بلد ومات جملي أو حماري، وتركت أمتعتي مكانها، وذهبت لاكتراء دابة من البلدة المجاورة سأجد كل شيء على حاله لم تمسه يد.

إن الوثيقة العمرية لم تقم على مجرد أصول إسلامية عامة في العلاقات الدولية، بل قامت على أصول إسلامية خاصة ومحددة تتصل ببيت المقدس، وعلى أصول مرتكزة على كتاب الله وسنة رسوله وسلوك المسلمين من بعده، فإن المسلمين منذ أربعة عشر قرنًا ينظرون إلى بيت المقدس نظرة تقديس، على أنه مركز لتراث ديني كبير تجب حمايته، وهم يربطون ربطًا كاملاً وثيقًا بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس، وينظرون إلى القدس نظرة تقترب من نظرتهم إلى مكة.

فإليهما يشدون الرحال، وفي كليهما تراث ديني ممتد في التاريخ، فإذا كان أبو الأنبياء إبراهيم قد وضع قواعد الكعبة في مكة، فإن جسده الشريف يرقد على مقربة من القدس في الخليل، فيما يرى كثير من الرواة والمؤرخين، وإذا كان المسلمون في كل بقاع الأرض أصبحوا يتجهون في صلاتهم إلى المسجد الحرام، فإنهم لاينسون أن نبيهم محمدًا وأسلافهم الصالحين قد اتجهوا قبل نزول آيات تحديد القبلة إلى الكعبة اتجهوا إلى المسجد الأقصى أولى القبلتين، وما زالت مدينة الرسول (عليه الصلاة والسلام) تضم مسجدًا يُسَمّى مسجد القبلتين شاهدًا حيًا على الترابط الديني بين مكة والقدس، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى.

وإذا ذ كر المسلم بحسه الدينى الممتد ووعيه التاريخي الإسلامي بيت المقدس، فإنه يذكر أنه المكان الذي كلم الله فيه موسى، وتاب على داود وسليمان، وبشر زكريا ويحيى، وسخر لداود الجبال والطير، وأوصى إبراهيم وإسحاق أن يدفنا فيه، وفيه

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٣٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٣٤٩