وقد أرسل أبو عبيدة بن الجراح إلى أمير المؤمنين عمر بما اتفق عليه الطرفان، فرحب عمر بحقن الدماء، وسافر إلى بيت المقدس، واستقبله المسلمون في الجابية وهي قرية من قرى الجولان شمال حوران، ثم توجَّه إلى بيت المقدس، فدخلها سنة 15هـ- - 636م، وكان في استقباله "بطريرك المدينة صفرونيوس" وكبار الأساقفة، وبعد أن تحدثوا في شروط التسليم انتهوا إلى إقرار تلك الوثيقة التي اعتبرت من الآثار الخالدة الدالّة على عظمة تسامح المسلمين في التاريخ، والتي عرفت باسم العهدة العمرية.
ونظرًا لمكانة هذه الوثيقة في الحضارة الإسلامية؛ ولأنها دالة أبلغ الدلالة على مدى تسامح الفتوحات الإسلامية والفاتحين المسلمين، نظرًا لهذين الاعتبارين نورد نصَّها الذي تكاد تجمع عليه المصادر التاريخية الوثيقة:
"بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها؛ أنه لاتسكن كنائسهم و لا تهدم ولاينتقص منها ولا من خيرها، و لا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضام أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم (ويخلى بيعهم وصلبهم)، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لايؤخذ منهم شىء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.
شهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان.
وكتب وحضر سنة خمسة عشرة هـ.
وهذه الوثيقة دالة أبلغ الدلالة - كما ذكرنا - على أصالة التسامح الإسلامي من جانب، ودالة على المكانة التي تتبوأها القدس من جانب آخر، ولعل التاريخ لايذكر إلى جانب صفحة هذه الوثيقة صفحة أخرى من تسامح الأقوياء المنتصرين مع المحاصرين المستسلمين على النحو الذي ترد عليه بنود هذه الوثيقة.
ولعل أية دراسة نقدية لبنود هذه الوثيقة تكشف عن مدى التسامح الإسلامي الذي لانظير له في تاريخ الحضارات.
ومنذ أبرمت هذه الوثيقة التاريخية الخالدة، وبيت المقدس تحظى بعناية الحكام المسلمين على نحو قريب من عنايتهم بالمسجد الحرام والمسجد النبي الشريف.
وقد تعاقب عليها الحكام المسلمون من الراشدين إلى الأمويين إلى العباسيين إلى بنى طولون الإخشيديين إلى الفاطميين إلى السلاجقة، فالمماليك فالأتراك، وكلهم يوليها الاهتمام الجدير بها.