وصالحنا في أن نرى حقيقة دورنا في تاريخ البشرية، وأن نعرف مكاننا في خط سير التاريخ، وأن نتبين قيمتنا في العالم الإنساني.
وليست فائدة هذا فائدة نظرية فكرية مجردة، بل إنها أكبر من ذلك وأشمل، فعلى ضوئها يمكن أن نحدد موقفنا الحاضر، ودورنا المقبل، وأن نسير في أداء هذا الدور على هدى ومعرفة بالظروف والعوامل العالمية المحيطة بنا، وبمقدار الطاقة التي نواجه بها هذه الظروف والعوامل.
ونحن ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخاً إسلامياً مشوهاً، وتاريخاً أوربياً مضخماً، لا عن مجرد خطأ غير مقصود، ولكن عن نية مبيتة من الاستعمار الغربي الذي يهمه أن لا نجد في تاريخنا ما نعتز به، وأن نرى أوروبا على العكس هي صاحبة الدور الأول في التاريخ الإنساني، فإذا يئسنا من ماضينا، واستعرضنا دورنا في حياة البشرية، وامتلأت نفوسنا مع ذلك إعجاباً بالدور الذي قامت به أوروبا، وإكباراً للرجل الأبي؛ سهل قيادنا على الاستعمار، وتطامنت كبرياؤنا القومية، وذلت رقابنا للمستعمرين .. وتحت تأثير هذه العوامل كتب التاريخ الذي ندرسه في مدارسنا ومعاهدنا بوجه خاص.
وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على النهج والنسق الذي وصفناه هو وحده الكفيل بأن يكشف هذه الأباطيل وأن يثبت حقيقة الدور الذي أداه الإسلام، والدور الذي أدته الحضارة الأوروبية بعدما يصور طبيعة هذا الدين، وطبيعة النظام الذي ينبثق منه، ومدى ما منح البشرية من الخير والتقدم، وضخامة الدور الذي أداه لبني الإنسان.
وبعد فإنه ينبغي أن يقال: إن دراسة من هذا الطراز لن يكون من برنامجها تناول الحوادث التاريخية بالتسلسل الحرفي والتفصيل الوافي، فوظيفتها الأساسية أشبه شيء بوظيفة الخط البياني يشير ولا يحصي، ويرشد ولا يستقصي. وبعبارة أخرى: إن وظيفة دراسة من هذا النوع هي محاولة إيجاد عقلية تاريخية معينة، وصورة تاريخية خاصة، تفيد الذين يتناولون الحوادث التاريخية بالتفصيل، والشخصيات التاريخية بالتحليل.
وما من شك أن استقرار هذا النهج في حقل الدراسات التاريخية سيعين على وضوح خصائص الشخصية الإسلامية، والدور الإسلامي في حياة البشرية، الأمر الذي من شأنه أن تحلل الشخصيات الإسلامية بل الشخصيات الإنسانية في سياق صحيح.
إن قيمة هذا النوع من الدراسة أن يقيم النهج، ويشرع السنن، ويرسم الطريق، فإذا نجح في أداء مهمته كان ذلك توفيقاً أي توفيق.
طَريق وحيْد:
يوماً بعد يوم يتبين أن هنالك طريقاً معيناً للشعوب الإسلامية كلها في هذه الأرض، يمكن أن يؤدي بها إلى العزة القومية، وإلى العدالة الاجتماعية، إلى التخلص من عقابيل الاستعمار والطغيان والفساد .. طريقاً وحيداً لا ثاني له، ولا شك فيه، ولا مناص منه .. طريق الإسلام، وطريق التكتل على أساسه.
إن أحداث العالم وملابسات الظروف وموقف الشعوب الإسلامية .. كلها تشير إلى هذه الطريق الوحيد الذي لا تمليه عاطفة دينية، ولا تحتمه نزعة وجدانية .. إنما تمليه