الاجتماعية، وملابساتها الاقتصادية، والجغرافية والحيوية .. من استعداد لتلبية هذا الحدث، أو معارضته؟
إلى آخر هذه المباحث التي تصور المرحلة الأولى من مراحل حياة الإسلام، أو من تاريخ الإسلام والتي تصح تسميتها باسم:'الإسلام على عهد الرسول'.
ثم تجيء المرحلة الثانية، مرحلة:'المد الإسلامي' وذلك عندما انساح الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. عندما فاض ذلك الفيض الانفجاري العجيب الذي لم يعرف له العالم نظيراً في سرعته وفي قوته. لا من ناحية الفتح العسكري وحده، ولكن من ناحية التأثير الروحي، والفكري، والاجتماعي أيضاً: أي من الناحية الإنسانية الشاملة التي شهدت تحولاً كاملاً في خط سير التاريخ على مولد هذا الدين الجديد، وانتشاره ذلك الانتشار العجيب!.
ويمكن تتبع أعمال الهدم والبناء التي قام بها الإسلام في تلك الرقعة الفسيحة التي امتد إليها، وتفاعله مع الأفكار والعقائد التي كانت سائرة فيها، ومع النظم الاجتماعية التي كانت تظللها، ومع الظروف الاقتصادية، والمخلفات التاريخية، والملابسات الإنسانية، في أخصب بقاع الأرض وأكثرها حضارة في ذلك الزمان.
ثم يجيء دور 'انحسار المد الإسلامي'، وعلى ضوء دراسة المراحل التاريخية السالفة يمكن أن نتبين أسباب هذا الانحسار، وعوامله الداخلية والخارجية جميعاً. كم من هذه العوامل من طبيعة العقيدة الإسلامية، والنظام الإسلامي؟ ثم هل كان هذا الانحسار شاملاً أم جزئياً؟ وسطحياً أم عميقاً؟ وما أثر هذا الانحسار في خط سير التاريخ، وفي تكييفه أحوال البشر، وفي قواعد التفكير والسلوك، وفي العلاقات الدولية والإنسانية؟ وما وزن الأفكار والنظم والعقائد التي استحدثتها الإنسانية بالقياس إلى نظائرها في الإسلام؟ وماذا كسبت البشرية، وماذا خسرت من وراء انحسار المد الإسلامي وظهور هذا المد الأوربي الذي ما تزال تظلنا بقاياه.
ومن ثم يصبح الحديث ' عن العالم الإسلامي اليوم ' طبيعياً وفي أوانه، وقائماً على أسسه الواضحة الصريحة وليس حديثاً تمليه العاطفة أو التعصب من هذا الجانب أو ذاك ويصبح التاريخ الإنساني في – ضوء منهجنا الخاص – مسلسل الحلقات متشابك الأواصر، ويتحدد دور الإسلام في هذا التاريخ في الماضي وفي الحاضر وتتبين خطوطه في المستقبل على ضوء الماضي والحاضر.
ومن ثم فالحقيقة تحتم علينا أن نعيد كتابة التاريخ الإسلامي من زاوية رؤية أكمل، وأدق، وأعمق، فنحن – الأمة الإسلامية – إنما ننظر الآن إلى أنفسنا وإلى سوانا بعدسة صنعتها أيد أجنبية عنا، أجنبية عن عقيدتنا وتاريخنا، أجنبية عن مشاعرنا وإدراكنا، أجنبية عن فهمنا للأمور وإحساسنا بالحياة وتقديرنا للأشياء ..
ثم هي بعد ذلك كله – مغرضة – في الغالب – تبغي لنا الشر لا الخير. لأن مطامحها ومطامعها ومصالحها الخاصة وأهدافها القومية .. كلها تدفع بها دفعاً لأن تبغي لنا الشر، لأن خيرنا لا يتفق مع أطماعها، ولأن مصالحنا تعطل مصالحها.
وحتى على فرض تجرد هذه الأيدي التي تكتب لنا تاريخنا من الغرض والهوى، فإن أخطاء المنهج الذي تتبعه كفيلة بأن تشوه الحقائق التاريخية في غير صالحنا ..