وهذا المعنى كان مستقراً استقراراً تلقائياً في نفوس رجال الصدر الأول – رضوان الله عليهم – ومن ثم أمكنهم أن يغيروا واقع الحياة في فترة تشبه الأحلام .. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:' كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن'.
والرجل يقول:'حتى يعرف معانيهن' والمعرفة شيء غير مجرد الفهم .. المعرفة إدراك كامل، وانفعال بهذا الإدراك يتم في أعماق النفس، ثم:'العمل بهن'.
بهذا الإدراك الكامل لوظيفة القرآن أمكن إنشاء حياة جديدة كاملة لم يعرفها العرب قبل الإسلام، وبمثل هذا الإدراك الكامل يمكن أن يحقق الإسلام ذاته في عالم النفس، وفي عالم الواقع في كل زمان ومكان.
ولا يمكن تقسيم الإسلام إلى أجزاء، وفصل جزء منه عن الآخر، لا في طبيعة الإسلام، ولا في آثاره في النفس البشرية، أو في واقع الحياة. فليس الإسلام تفسير آية أو حديث في جانب، ثم دعوة إلى الجهاد في جانب، ثم عرض طرف من السيرة في جانب، ثم أدب مستقل في جانب، ثم نظام حكم محلي ودولي في جانب .. كلا .. إن الإسلام تصور كامل للحياة، ومنهاج كامل للحياة.
هذا التصور الكامل لطبيعة الإسلام هو الذي نحب أن يستقر في أخلاد المسلمين، وفي المقدمة دعاة الإسلام في هذا العصر؛ لأنه التصور الذي استقر في أخلاد الصدر الأول، فأبدع الحياة الإسلامية الجديدة، فكانت بدعاً في عالم الحياة كلها وما تزال.
في التاريخ .. فكرة ومنهَاج:
التاريخ ليس هو الحوادث، إنما هو تفسير هذه الحوادث، واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة واحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان.
ولكي يفهم الإنسان الحادثة ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس البشرية جميعها: روحية وفكرية وحيوية، ومقومات الحياة البشرية جميعها: معنوية ومادية. وأن يفتح روحه وفكره وحسه للحادثة، ويستجيب لوقوعها في مداركه، ولا يرفض شيئاً من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد.
ومتى استقام البحث على ذلك المنهج الذي أسلفنا، وبرزت تلك المقومات الأساسية لطبيعة الدعوة، وطبيعة الرسول، وطبيعة البيئة التي استقبلت الدعوة واستقبلت الرسول، وطبيعة المجتمع الإنساني الذي كان يعاصر مولد الإسلام، وطبيعة العقائد والأفكار التي كانت تسوده يوم ذاك.
متى برزت تلك المقومات الأساسية؛ سهل تتبع نشاطها وتفاعلها وصيرورتها، وأمكن تصوير وتصور خطوات الدعوة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه الخطوات التي تسير متأثرة في هذا الجيل: أن نعرف كيف اختار الرسول رجاله، ومن أية طينة كان هؤلاء الرجال؟ وكيف صاغ الرسول رجاله؟ وكيف أعدهم للمهمة العظمى؟ وكيف بنى الرسول نظامه، وعلى أي الأسس قام هذا النظام الجديد؟ وماذا كان في طبيعتها، وفي ظروفها، وفي رجالها، وبيوتها وعشائرها، وفي علاقاتها