تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإسلام حركة إبداعية خالقة، تستهدف إنشاء حياة إنسانية غير معهودة قبل الإسلام، وغير معهودة في سائر النظم الأخرى التي سبقت الإسلام، أو لحقته .. تلك الحركة الإبداعية تنشأ عن تصور معين للحياة بكل قيمها وكل ارتباطاتها، تصور جاء به الإسلام ابتداء، وهي حركة تبدأ في أعماق الضمير ثم تحقق نفسها في عالم الواقع، ولا يتم تمامها إلا حين تتحقق في عالم الواقع. وفي طبيعة النفس البشرية استعداد لتحقيقه، حين تستجيب لدعوته، وحين تتأثر به تأثراً إيجابياً لا يكتفي بالمشاعر، أو الشعائر.

وحين تستقر العقيدة الإسلامية في الضمير البشري استقراراً حقيقياً، فإنه يستحيل أن تظل مجرد شعور وجداني في أعماق الضمير. إنها لا بد أن تندفع لتحقيق ذاتها في عالم الواقع، ولتتمثل حركة إيجابية تبدع الحياة كلها، وما ينشأ عنها من ألوان وأطياف وتعمير.

ورجال الصدر الأول – رضوان الله عليهم – عندما تلقوا القرآن تلقياً حقيقياً؛ شعروا أن كيانهم النفسي كله يتزلزل ليعاد تركيبه من جديد، وفق ذلك التصور الجديد الذي جاءهم به الإسلام، وأن الكيان القديم الذي بني في الجاهلية، وفق تصورات معينة للحياة، ووفق واقع معين للحياة، لا يمكن أن يرقع ترقيعاً بالتصور الإسلامي الجديد، بل لا بد من زلزلةٍ وتصدعٍ كاملين في الكيان القديم، ليعاد إنشاؤه وفق هندسة جديدة، ووفق تصميم جديد .. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... [21]﴾ [سورة الحشر].

ولقد تصدع ما هو أقوى من الجبل، تصدع كيان النفس البشرية التي مسها هذا القرآن مساً حقيقياً، ليعاد تركيبها على نسق غير مسبوق.

محال إذن حين تتم العقيدة الإسلامية في قلب أن تظل قابعة سلبية في هذا القلب، أو أن تتحول إلى عبادات وشعائر، ثم تنتهي هناك، إنها لا بد أن تنطلق محاولة إبداع الحياة كلها وفق التصور الإسلامي للحياة، وفي الطريق تأخذ العبادات والشعائر؛ لأنها القاعدة التي تقوم عليها الصلة بين القلب البشري وخالقه، هذه الصلة التي يستمد منها العون والتصميم والاندفاع.

وقد يكون طريق الإبداع للحياة الجديدة هو تطويرها ولكنه لن يكون ترقيعها، وفرق بين أن يكون لديك تصميم معين للبناء تنفذه شيئاً فشيئاً، وأن ترقع بناء قائماً على تصميم آخر، إن هذا الترقيع لن يحقق لك في النهاية بناء جديداً!.

إن الإسلام يرسم صورة معينة للحياة البشرية، صورة متكاملة، يحدد فيها النموذج البشري الذي يريد تكوينه، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تربط هذا المجتمع، ونظام الحكم والعلاقات الدولية التي تنظم الحياة العامة.

هذه الصورة المعينة التي يرسمها الإسلام للحياة لا يمكن تحقيقها بمجرد قراءة القرآن تجويداً وترتيلاً، ولا بمجرد تسبيح الله بكرة وأصيلا، إنما هي تتحقق بترجمة المدلولات القرآنية إلى واقع عملي في حياة البشر، وبترجمة التسبيح إلى حركة وجدانية تتحول إلى حركة منظورة في عالم الواقع، وبترجمة المشاعر إلى صور تعبيرية ليس الهدف فيها هو مجرد التعبير، ولكن ما وراءه من حركة وتطوير.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٣٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٣٣٩