عنهم جاءنا القرآن الكريم متواترًا، ومنهم وصلتنا السنة الشريفة المطهرة، وفيهم تجلَّى الإسلام مجتمعًا ودولة، سياسة واقتصادًا، ومضى بعدهم التابعون لهم بإحسان على نفس المنهج، وتتابعت الأجيال جيلاً بعد جيل.
فتاريخ الإسلام - أو التاريخ الإسلامي – هو حركة الأمة الإسلامية، وحركة الإسلام بالأمة، كما قلنا آنفًا، فهو الإسلام مطبقًا.
ومن هنا كان تشويه التاريخ الإسلامي معناه القضاء على النموذج، والمثال الذي يمكن أن يقدمه الدعاة، النموذج الذي تتطلع إليه الأجيال لتهتدي به ولتنسج على منواله.
فلو كان التاريخ الإسلامي قد انحرف منذ انتهاء عهد عمر، ووقع في متاهات الاستبداد ومستنقع الفساد، فلأي شيء ندعو الناس؟ ندعوهم لشريعة لا يطبقها البشر، أليس قد عجز عن الالتزام بها الصحابة؟ فما إن (قُتل) عمر – الذي كان مهيبًا مخوفًا – حتى انسلخوا من الإسلام، ورجعوا إلى الجاهلية، لا إلى عصبيتها فقط، بل إلى ظلمها وتجبرها، وكبريائها، وإلى قيانها وغنائها، وخمرها وانحلالها.
وقد صار هذا التاريخ بهذه الصورة الشوهاء سدًّا في وجه الدعوة والدعاة، فحين ينادي الدعاة "الإسلام هو الحل" يسألهم العلمانيون والشيوعيون والرأسماليون: أي إسلامٍ تريدون؟ إسلام عثمان وبني أمية، ويزيد والحجاج ... إسلام العباسيين هارون الرشيد ومسرور السيَّاف، والخمر والنساء، وأبي نواس؟ أم إسلام المماليك والمجازر اليومية، والخَوْزقة والتوسيط، أم إسلام الأتراك، والظلم الغاشم، والظلام الجاهل ... ؟
ولقد رتب المعاندون على هذا أمرًا أخطر وهو "إن دين الله الأقوم ينبغي أن يظل صلة بين العبد وربه، بغير قسْرٍ منكم (الدعاة والإسلاميين) ولا إجبار. ألا تخشون أن تضعوا قرآن الله بين يدي طغاة يستغلونه كما فعل الخلفاء طوال ألف وأربعمائة عام.
وإذا كان الله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:40]. فمن سمح لكم يا سادة أن تبلغوا، وما أنتم بمبلغين، أو تحاسبوا وما أنتم بمحاسبين"انتهى بنصه من مقال بجريدة الأهرام في 12/ 4/1987م لرئيس اتحاد الكتاب العرب الأستاذ ثروت أباظة (غفر الله لنا وله).
إن الدعاة إلى الرأسمالية، وإلى الشيوعية، وإلى الليبرالية، يجدون مثالاً ونموذجًا مُعجبًا ناجحًا موجودًا بين الناس يقدمونه دليلاً على صحة ما يدعون إليه، ولكن الإسلاميين وحدهم هم الذين يدعون إلى منهجٍ غير صالح للتطبيق، لا لعيب في المنهج – حاشا لله – بل هو أقوم المناهج، وأعظم الشرائع، سبحان من أنزله، ولكن العيب في البشر، فهم أعجز من أن يطبقوا هذا الشرع المثالي.
وهذا كلام بالغ الخطورة، فالله سبحانه أحكم الحاكمين، أجل وأعظم من يرسل رسالة لعباده يعجزون عن إجابتها، وشريعة لا يطيقون الالتزام بها، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:14].
ولو تتبعت المناظرات التي جرت بين عتاة العلمانيين وغلاتهم مع كبار الدعاة والعلماء، وجدتهم يعتمدون وقائع التاريخ المكذوبة وصورته المشوهة.