ومن هذا الباب إعلان الثري الأمريكي (روكفلر) سنة 1926م عن تبرعه بمبلغ عشرة ملايين دولار أمريكي لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، على أن يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن، واشترط لإتمام هذا التبرع أن يكون المتحف والمعهد تحت إشراف لجنة من ثمانية أعضاء ليس فيها من المصريين إلا اثنان فقط، وأن يستمر هذا الإشراف لمدة ثلاث وثلاثين سنة، ولما رفضت مصر شرط الإشراف هذا، قبض يده وامتنع عن التبرع.
وفي مدينة (بلتيمور) بأمريكا عقد مؤتمر في سنة 1943م للمبشرين، كان من ضمن قرارات هذا المؤتمر المضاعفة للجهود المبذولة في توجيه الدراسات للتاريخ الإسلامي، نحو إعلاء شأن ثورة الزنج، والقرامطة، والباطنية، وتصويرها على أنها حركات تقدمية تمثل العدل الاجتماعي، في وجه الخلافة الإسلامية الفاسدة التي يظاهرها علماء سوء فاسدون مفسدون.
وأدنى إلى الكرام القارئين وأقرب هذه الضجة الكبرى التي تقيمها الدولة العظمى التي بلغ من قوتها أنها تحكم العالم، هذه الدولة بهيلها وهيلمانها تتحرك لوقف مسلسل تلفزيوني تاريخي، وترعد وتبرق، وترغي وتزبد، من أجل مسلسل (الشتات)، ومن قبل من أجل مسلسل (فارس بلا جواد)!!
إنه التاريخ.
=============
خطورة تشويه التاريخ الإسلامي
(الشبكة الإسلامية) د عبد العظيم الديب بتصرف يسير
الأمم لا يمكن أن تنهض بغير تاريخ، أو أن تقوم بغير ذاكرة؛ و التاريخ الإسلامي أشد خطورة في حياة المسلمين من التاريخ في حياة أية أمة، وتشويهه، وطمسه، وتمزيقه بالنسبة للمسلمين أسوأ وأفظع منه بالنسبة لأية أمة أخرى.
ذلك أن التاريخ الإسلامي هو الإسلام مطبقًا، منفَّذًا على أرض الواقع، منزلاً على حياة الناس اليومية، فهو في حقيقة الأمر حركة الأمة – التي رباها محمد صلى الله عليه وسلم – بالإسلام، وحركة الإسلام بالأمة.
فالإسلام الذي هو رسالة الله الخاتمة له نوعان من الوجود: فمن حيث هو رسالة السماء إلى الأرض موجود في الوحيين (القرآن الكريم والسنة المطهرة)، فما بين دفّتي المصحف الشريف، وما تحويه دوواين السنة الصحيحة هو الوجود الأول للرسالة الأخيرة من السماء إلى الأرض، رسالة الله إلى خلقه.
والوجود الآخر للإسلام هو استجابة أهل الأرض لرسالة السماء، أو استجابة خلق الله لرسالة الله. فهذه الاستجابة هي التي تمثلت في إيمان المؤمنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعتهم له، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:80]، وإجابتهم إياه، والتزامهم بما أمر ونهى، حتى صارت الرسالة واقعًا عمليًا تطبيقيًّا، صُنع على عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حمله من بعده صحبه الأكرمون الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الجيل المثالي – كما سماه العلامة محب الدين الخطيب – الذي اختصه الله سبحانه بشرف الصحبة، وأمدهم بخصائص اختصهم بها، حيث هيأتهم الأقدار لإبلاغ هذه الرسالة الخاتمة، وأعدتهم لحفظها.