الإنسانية، تنشأ وتمارس، ويعيش بها الناس ما يشاء الله لهم أن يعيشوا، ثم ينشأ العلم بعد كعلم الخدمة الاجتماعية مثلاً.
وآية ذلك – أعني استخدام التضليل المعلوماتي قديمًا – ما كتبه الفيلسوف الفرنسي المعاصر رجاء جارودي، قال: "في إحدى صفحات الكتاب الرائع لأناتول فرانس (فوق الحجر الأبيض) يوجه أحدُ المؤرخين سؤالاً إلى مدام نوزبير: ما أتعس يوم في تاريخ فرنسا؟ ولم تكن مدام نوزبير على علمٍ بهذا اليوم، وعندئذ قال لها المؤرخ: "إنه عام 732م، إنه العام الذي جرت فيه معركة بواتيه، التي هزم فيها المسلمون، ولم يستكملوا دخلوهم فرنسا، في هذا اليوم انهزمت الحضارة العربية أمام البربرية الفرنسية، ولولا هذا اليوم الأسود ما عاشت قرونًا متطاولة في ظلام العصور الوسطى حتى سطعت عليها شمس الحضارة"اهـ كلام أناتول فرانس في كتابه الرائع.
ثم يكمل جارودي قائلاً: وهذا النص يثير في نفسي ذكرى لذيذة، إذ كنت في تونس سنة 1945م، وأثناء محاضرة لي عن ابن خلدون ذكرت أن النص من كتاب أناتول فرانس، وإذا بالجنرال الفرنسي – الذي كان وقتئذ مقيمًا عامًا في تونس – أي حاكمًا عامًا لها، إذا بهذا الحاكم العام يأمر بطردي من تونس بدعوى الترويج للدعاية ضد فرنسا.
وكان لهذا الحدث دلالة ومغزى من وجهة النظر الاستعمارية؛ فإن مجرد تذكير المستعمَرين (بفتح الميم) بعظمة ماضيهم وثقافتهم، كان يعتبر إهانة للاستعمار، وخطرًا يهدده". انتهى كلام جارودي، وهو غني عن أي تعليق.
وفي عهد الاستعمار في إحدى دول الشمال الإفريقي كان أستاذ الفيزياء الأجنبي يدرس نظريات الضوء، ويستشهد بكلام عالم قديم مبتكر اسمه (الهازان) ويذكر تاريخ ابتكاراته ونظرياته، فسأله أحد تلاميذه: من هو (الهازان) هذا؟ فكلفه الأستاذ بالبحث عنه، ووجهه إلى بعض الكتب الأجنبية في تاريخ العلم، واستطاع الطالب النجيب أن يصل إلى حقيقة (الهازان)، فإذا هو (الحسن بن الهيثم)، ولما عاد إلى أستاذه بهذه الحقيقة، لاحظ أن أستاذه الأجنبي لم يعد أبدًا يذكر اسم (الهازان)، وإذا اضطر إلى الحديث عن نظرياته، يشير إليها من غير أن يذكر اسم صاحبها.
فكيف يذكر هؤلاء بأمجادهم؟ وكيف يضخ في عروقهم دماء الاعتزاز بأسلافهم؟!!
صك الانتداب:
ولكي تتأكد أن هذا التضليل التاريخي أمر مقصود، اعلم أن صك الانتداب الذي كلفت به عصبة الأمم إنجلترا بحكم فلسطين وإدارتها، كان صك الانتداب هذا ينص في مادته (رقم 21) على أن تضع الدولة المنتدبة، وتنفذ في السنة الأولى من هذا الانتداب قانونًا خاصًا بالتنقيب عن الآثار والعاديات يتضمن .... إلخ" أي أن من عمل الدولة المنتدبة بعث تاريخ ما قبل الإسلام، والاحتفاظ بآثاره، والعناية بعادياته.
وكذلك كان شأن الفرنسيين في سوريا ولبنان، فقد كان أول ما اهتم به الفرنسيون أن ألفوا في خلال الحرب الكونية الأولى لجانًا في دمشق وبيروت لكتابة تاريخ بلاد الشام، فكتبوا منه بعض تاريخ لبنان، أما تاريخ سوريا فقد كلف الآباء اليسوعيون ثلاثة من رهبانهم 1920م بكتابة هذا التاريخ، بعد أن قسموه إلى ثلاثة عصور، العصر الآرامي والفينيقي، والعصر اليوناني والروماني، والعصر العربي.