وفى سنة 313هـ/ 926م، قام القرامطة باعتراض الحجيج بعد أن أدوا الفريضة فقطعوا عليهم الطريق، وأسروا نساءهم وأبناءهم.
وثار الناس فى بغداد، وكسروا منابر الجوامع يوم الجمعة، وناحت النساء فى الطرقات، وطالبن بالقصاص من القرامطة وأعوانهم.
وظل مسلسل عدوان القرامطة على المدن والحجاج يتكرر فى كل عام، وليس هناك من يؤدبهم أو يوقفهم عند حدهم، فلم تسلم منهم مدينة حتى مكة - البلد الحرام - اعتدوا عليها وعلى مقدساتها فى سنة 317هـ/ 929م، وجلس أميرهم على باب الكعبة وهو يقول -لعنه الله-: "أنا الله وبالله أنا الذى يخلق الخلق وأفنيهم أنا". وكان الناس يفرون منهم، ويتعلقون بأستار الكعبة، وقلعوا الحجر الأسود، وصاح أحدهم متحديًا: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ومكث الحجر الأسود عندهم اثنتين وعشرين سنة حتى ردوه فى سنة 339هـ/ 951م.
ولعله يجىء سؤال: لماذا نزل عذاب الله بأصحاب الفيل، ولم ينزل بالقرامطة؟
والإجابة كما قال ابن كثير: لقد أراد الله أن يشرف مكة عندما كانت تستقبل خاتم الأنبياء وأفضل الرسل العظام، ولم يكن أهلها يومئذ مسلمين مأمورين بحماية البيت، وصد المعتدين عنه، فتدخلت العناية الإلهية بالحفظ والرعاية، ألم يقل عبد المطلب: للبيت رب يحميه؟!
ولهذا لما سئل أحد العلماء، وكان بالمسجد الحرام وقت أن دخله القرامطة: ألم تقولوا فى بيتكم هذا ومن دخله كان آمنا .. فأين الأمن؟
فرد قائلا: إن الله يريد أن يؤمنه المسلمون.
إن المسلمين جميعًا مسئولون عما فعله المجرمون فى البيت الحرام، وعما اقترفوه من آثام.
وربنا سبحانه قد يؤخر عقوبته ليوم تشخص فيه الأبصار، فقال: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران: 196 - 197].
الانتصار على الروم:
وماذا عمَّا تم على الجبهة بين المسلمين والروم فى خلافة المقتدر؟
لقد أتاحت خلافة المقتدر الطويلة فرصًا عديدة لمحاربة الروم وفتح بعض المدن والحصون على الرغم من انشغال الدولة بمواجهة القرامطة وغيرهم من الفسقة الخارجين، ولقد بدأ اللقاء بين المقتدر والروم سنة 297هـ/910م، وظلت الحرب سجالا بين المسلمين الروم حتى انتهت اللقاءات القوية بينهم فى خلافة المقتدر، وكان النصر عظيمًا للمسلمين.
لقد كانت "الخلافة" -على ما كان يعتريها من ضعف أحيانًا أوتجاوزًا ومخالفة- خير معين على مواجهة الأخطار المحدقة بالمسلمين من كل جانب، ومجابهة الصعاب التى تعترض طريقهم، وتهدد حاضرهم ومستقبلهم.
إنها تجمع كل المسلمين نحو غاية واحدة، وهدف واحد، فتتضافر الجهود، وتتوحد القلوب، وتنطلق الجموع من جميع الأرجاء تغيث الملهوف، وتؤمن الخائف، وتهدئ من روعة المذعور، وتنصر أى مسلم فى أية بقعة من بقاع الأرض وفجاجها، وكان