المكتفى ست سنوات وستة أشهر، ولقى ربه سنة 295هـ/ 908م، وروى أنه قال عند موته: والله ما آسى إلا على سبعمائة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين فى أبنية ما احتجت إليها، وكنت عنها مستغنيًا، أخاف أن أسأل عنها، وإنى أستغفر الله منها.
---------------
خلافة المقتدر
(295 - 320هـ/9 08 - 932م)
ولما حضرت المكتفى الوفاة، أحضر أخاه "المقتدر" وفوض إليه أمر الخلافة من بعده، وأشهد على ذلك القضاة.
ترى كم كان عمر هذا "المقتدر" حين عهد إليه بالخلافة، خلافة أكبر دولة على الأرض آنذاك؟
كان عمره ثلاث عشرة سنة وشهرًا واحدًا وواحدًا وعشرين يومًا. ولم يلِ الخلافة قبله من هو أصغر منه.
ويرجع السبب فى اختياره إلى صغر سنه ليكون أسلس قيادًا، ولكن "المقتدر" لم يلبث أن خلع، وبويع "عبد الله بن المعتز" ولقب "الغالب بالله"، إلا أن أتباع الخليفة المخلوع أعادوه إلى العرش، ولم يمكث "عبد الله بن المعتز" الذى كان شاعرًا رقيقًا فى الخلافة إلا ليلة واحدة.
قيادة النساء:
نحن الآن إذن مع "المقتدر" وعهده، يقول المؤرخون: إن عهده كان عهد فتن وقلاقل، فقد ترك النساء يتدخلن فى أمور الدولة، ويصرِّفن شئونها، فقد ذكر ابن الأثير أن هذا الخليفة اشتهر بعزل وزرائه، والقبض عليهم، والرجوع إلى قول النساء والخدم، والتصرف على مقتضى آرائهن. ولاعجب، فقد أصبح الأمر والنهى بيد أمه التى يطلق عليها المؤرخون اسم "السيدة".
ويا ويل من غَضِبَ عليه من الوزراء، إن أقل مصير ينتظره هو العزل، ولا تسل عن الأحوال، فالخطاب يقرأ من عنوانه؛ لقد اضطربت أحوال الدولة العباسية فى عهد "المقتدر" فخرج عليه "مؤنس الخادم" أحد القواد فى سنة 317هـ/ 929م، وأرغم هذا الخليفة على الهرب، وبايع هو وغيره من الأمراء "محمد بن المعتضد" ولقبوه: "القاهر بالله"، وطلب الجند أرزاقهم فى الوقت الذى قامت فيه الاحتفالات بتقليد الخليفة الجديد للخلافة، وحملوا المقتدر على أعناقهم، وردوه إلى دار الخلافة، وعزلوا القاهر، فأخذ يبكى ويقول: الله الله فى نفسى!
وهنا استدناه "المقتدر" وقبله، وقال له: يا أخى، أنت والله لاذنب لك، والله لا جرى عليك منى سوء أبدًا فطب نفسًا.
قوة القرامطة:
وكان لابد أن يتحرك القرامطة فى خلافة المقتدر فنزلوا البصرة سنة 299هـ/ 912م، والناس فى الصلاة، وخرج أهلها للقائهم وأغلقت أبواب البصرة فى وجوههم.
ولكنهم عادوا سنة 311هـ/ 924م، واقتحموا أسوارها، وسعوا فيها فسادًا مدة سبعة عشر يومًا يقتلون ويأسرون ويستولون على الأموال، ثم قفلوا راجعين إلى "هجر" بالبحرين.