ويصعب إدراك نشأة وتطور العادات والتقاليد، ومدى اتساعها، فهي جزء من النشاط الاجتماعي للأفراد في أي مجتمع من المجتمعات، ولا تظهر بين يوم وليلة، بل تأخذ سنوات حتى تثبت وتستقر، وسنوات أطول حتى تتغير وتتحول.
والعادات والتقاليد غالبًا ما تنشأ لوظيفة اجتماعية، ولينتفع بها كل أفراد المجتمع أو بعضهم، وتصبح نمطًا اجتماعيًّا يعمل على تقوية العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ويؤدي إلى وجود اتفاق في سلوك معين بين أفراد المجتمع.
والعادات والتقاليد سلسلة تنتقل حلقاتها من جيل لآخر، وقد يصاحب هذا الانتقال بعض التغيرات بالزيادة أو النقصان، سلبًا أو إيجابًا، بما يتفق مع ظروف وقيم كل جيل، وقد تتلاشى الوظيفة الاجتماعية للعادات أو التقاليد، أو تنتهي نتيجة تغير الظروف الاجتماعية، إلا أنها تبقى بفعل الضغط النفسي الذي تمارسه على الأفراد الذين اعتادوها، وشعروا أنها تمنحهم الأمن والاطمئنان، وتضمن تماسكهم في مواجهة أية تغيرات جديدة.
وللمرأة دور هام ومؤثر في بث العادات والتقاليد، وانتقالها من جيل لآخر، نظرًا لدورها الكبير في عملية التربية والتنشئة، ولذلك يقع عليها الدور الأكبر في ضبطها وفق المنهج الإسلامي السديد، قال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السلم فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ [الأنعام: 153]، وقال سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا﴾ [الأحزاب: 36].
علاقة المنهج الإسلامي بالعادات والتقاليد:
ومع انتشار الإسلام في العديد من الدول بعاداتها وتقاليدها المتنوعة اتخذ المنهج الإسلامي في علاقته بالعادات والتقاليد صورًا ثلاثًا:
* الأولى: تأييد العادات التي تحث على مبادئ فاضلة وقيم سامية، مع تهذيبها وفق مبادئ الشريعة الخالدة، ومن ذلك: حق الجار، وإكرام الضيف، ومساعدة الفقراء، ونجدة المحتاج، ومساعدة الغريب.
* الثانية: تقويم العادات التي تقوم على وجهين؛ أحدهما سيئ، والآخر حسن، بالتأكيد على الحسن، والنهي عن السيئ وإصلاحه وفق الشرع الكريم.
* الثالثة: محاربة العادات والتقاليد الضالة والمضلة، التي تتعارض مع ما جاء به من قيم ومبادئ، والتي قد تؤدي إلى الخلل الاجتماعي واضطراب القيم وانتشار الفساد والرذيلة، وضياع الأمن والسكينة، ومن ذلك عادة وأد البنات؛ فقد قامت نظرة العرب إلى البنت على التشاؤم بها، والتحقير من شأنها.
فجاء القرآن مستنكرًا هذه العادة الشنيعة، وحاميًا للبنت من هذه الجريمة، فقال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ [النحل: 58 - 59]. وقال: ((من كانت له أنثى، فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنة) [أبو داود].
كذلك عانت الفتاة قبل الإسلام من إجبارها على الزواج دون رغبة منها، ودون اعتداد برأيها؛ فأعَزَّها الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح الأيم حتى