10
وتنحيه عن خديها، يتساقط من فروج أصابعها كأنه عدد أيام شقائها!
وحسب الرضيع أن هذه الحركة هدهدة
11
من أمه لينام، فنام هنيئا على صدرها، وأدفأه غليان هذا الصدر فضاعف لذة أحلامه! وإنما هو طفل سماوي لا يزال مس يد الله على جلده الرطب، فلو زفرت حوله جهنم فأحرقته لكفنته نسمة من نسمات الجنة؛ ويا سعادة من يستطيع بطبيعته أن ينقطع من وسائل نفسه إلى وسائل الله!
12
وأما زوجة الرجل - وهي شابة جزلة الخلق، ناضرة الصبا، تركها الحزن كالمرأة المهملة: تدل أنوار بريقها على مواضع الصدأ منها؛ فكانت واقفة تحمل على رأسها برمة أعدت فيها ما تعرف أن سيدها يشتهيه من طعامه، كأنها تريد أن تجعل من هذا الطعام الذي يحبه رسالة من الحب بين نفسها ونفسه ترسلها إليه في سجنه! ولما استقرت عينه عليها، أرسلت كل عواطفها في مجاري دمعها، وقد أيقنت أنه قطع بها دون عمادها، وزوجها، ووالد ابنها، وكنزها الذهبي الذي لا تملك غيره؛ فكانت تبكي لكل معنى من هذه المعاني بكاء بعينه، وتبكي على قدر وفائها الذي لا حد له، وحبها الذي لا صبر معه، ومصيبتها التي لا سبب فيها من أسباب العزاء؛ وكل نظراتها كانت تقول لزوجها: لك ما أبكي.
13
وأحاط بها أخواته الأربع، صفر الوجوه، ساهمات الخدود، ذابلات الأعين! كأنما تدلين إلى الأرض من مشنقة! والبنت قطعة من أمها، ولكنها في الحزن على أبيها أو أخيها بعدة أمهات؛ فهل تراه لا يستوفي في بطن أمها إلا نصف حياتها كهيئتها في الدنيا ... ويبقى النصف الآخر في أخيها، فإن مرض خامرها نصف الداء، وإن مات وقع عليها نصف الموت، ولا يكون حزنها عليه إلا هدة في حياتها لا يمكن أن تبنى؟
أما أخو السجين فوقف ناحية عن النساء، وجعل يبكي، ويعصر عينيه؛ ولا أدري إن كانت الفطرة هي التي أبعدته عنهن حتى لا يشبههن بوجه من الشبه، ولو كان دقيقا كهذه الخيوط من الدمع؟ أم هو انتحى جانبا كيلا تتصل به عدوى الضعف، وليستطيع أن يبكي على أعين الرجال بكاء رجل في دمعه شيء من القوة؟ أم هو انتبذ مكانه ليتكلم مع آلامه؛ فإن الآلام تتكلم، ولكن بإحساسنا؟ وكان له من أوجاع قلبه حديث طويل.
وأما الولدان فربض أحدهما في الأرض، ووقف الآخر؛ لأنه أكبر منه قليلا، وكلاهما ضامر الوجه، متقبض، منكسر من هول ما يرى، وكانت عيونهما الحائرة تدل على أنهما بإزاء حالة غير مفهومة، فأبوهما حي لم يمت، وعيونهما مكتحلة بعينيه، وليس بينهما وبينه إلا ارتفاع شجرة ... فلم لا يصلان إليه، أو يصل إليهما؟ وعلام هذه المناحة ولا ميت؟ وفيم هذا الجمع ولا معركة؟
أخذا يدرسان الدنيا كلها في معضلتهما الأولى من حيث لا يفهمان شيئا، وبدأ العدل الإنساني الرحيم يخشن صدرهما ليعلما ذات يوم معنى الظلم الذي يكون مرة باعثا على العدل، ويكون مرة هو إياه!
ألا ويحك أيتها الإنسانية ظالمة أو مظلومة! إن أمامك من هذين الطفلين الموتورين آلتي تصوير قد نقلتا هذه الصورة، وستحفظانها إلى يوم ما!
صورة بشعة على تلوينها؛ إذ لا سواد فيها إلا من الخطوط، ولا بياض إلا من الدموع، ولا صفرة إلا من الوجوه، ولا حمرة إلا من لهب القلب، وسيمضي كل شيء لسبيله؛ فينسى ولا تنسى؛ لأنها مادة علمية مصورة، كرسم تعليمي في جغرافيا الجريمة!
هي اليوم صورة طفل فهي للحفظ، وغدا صورة شاب فهي للعلم، وبعد غد صورة رجل فهي ... للعمل. •••
وكان السجين كالميت: تراه تحت أعين أهله وهو في عالم آخر، وبين أيديهم وكأنه حسرة بعد أمل ضاع! وكان كلامهم سمع أذنيه،
14
ولكنه من معنى ما يحب على بعد ما بينه وبين المستحيل؛ ابتلاه الله بالجريمة، ثم ابتلاه بالقصاص، ثم تمم عليهما بمصيبة في مقدار عذابهما معا، وهي رؤية أهله جميعا في حالة لا يملك فيها قدرة، ولا صبرا!
إنما يمسك الإنسان قوتان: قدرة يمضي بها؛ فيدرك فيطمئن، أو صبر يقعد به فيعجز فيطمئن؛ ولكنه متى امتحن بشيء لا يقدر عليه، وهو مع ذلك لا يصبر عنه، فقد وضعه الله من ثمة في حالة لا إنسانية، ولا وحشية، ولا دونهما، ولا فوقهما؛ إذ يسلط عليه كل القوى التي في داخله تدفعه بأشد العنف إلى القوى المحيطة به، ويغري المحيطة به ترميه إلى التي في داخله؛ فما إن يزال مرتطما بين هذه وتلك، وكأنه لشدة وقعهما يحطم تحطيما بين مطرقتين!