وهذه البلية من العذاب لا تتفق إلا في أشد ما يكره الإنسان حين لا يجد الإنسان منه مفرا، ولا يطيق عليه مقرا، وفي أشد ما يحب حين لا يقدر إلى حد اليأس، ولا يصبر إلى حد الجنون، وأحسب ما في الأرض منتحر قط أزهق روحه - إن لم يكن مجنونا - إلا وهو في إحدى هاتين الحالتين؛ فإن وجدت من يثبته الله على حالة منهما وجدته كالبقية من الحريق: إن لم تكن احترقت وذهبت، فقد احترقت وبقيت! •••
أجرم السجين فأخذ بذنبه، فما ذنوب هؤلاء جميعا؟ أهي إحدى الحقائق العليا الغامضة التي من أجل غموضها، واستبهام حكمتها يقول الحائرون: «كل شيء هو كل شيء!» ويقول المنكرون: «لا شيء في كل شيء!» ويقول المؤمنون: «كل شيء فيه شيء»؟
أم هي الحقيقة السهلة الواضحة من كل جهاتها، وإن أصبح الناس لا يفهمونها؛ إذ لا تحتاج إلى فهم، وإنما هم موكلون بما خفي ودق، كدأب هؤلاء العلماء والفلاسفة الذين يقطعون العمر في دقيق المباحث، وعويص التراكيب، ثم لا ينتهون من نتائجها إلا إلى النواميس المكشوفة انكشاف النور لكل ذي عين تبصر!
أهي الحقيقة السهلة التي تجزأت من أجلها آية الله، فيقول المنكرون: «لا علم!» ويقول الحائرون: «لا علم لنا!» ويقول المؤمنون: «لا علم لنا إلا ما علمتنا!»
15
ألا أيها القلب الإنساني المعجز؛ إن أيامك كلها مضي في سبيل الموت الأول، كما هي مضي في سبيل الحياة الأخرى؛ فأنت تسير في طريقين معا، وهذه هي معجزتك التي لا تفهم!
16
ونحن من ظلام الدنيا، ومن بحثنا عن الحكمة الإلهية الصريحة بوسائلنا الإنسانية العاجزة، كالذي يبغي أن تطلع عليه الشمس في ليله، ويبقى له مع ذلك ظلام الليل! يريد مستحيلين لا مستحيلا واحدا، وهذا هو عقلنا الذي لا يعقل!
لو أراد الله بك خيرا أيها القلب المسكين لما جعل شقاءك يربى فيك تربية كما تربى أنت في الإنسان، وكما يربى الإنسان في الحياة؛ فالحب، والرحمة، والشفقة، والصداقة، وكل المعاني التي هي روابط الإنسانية في اشتباكها، هذه كلها هي وسائل مسرتك في حالة، وهي بأعيانها أسباب عذابك في حالة أخرى!
جذور استسر بها الغيب،
17
وفي أيدينا فروعها، وأوراقها، وثمراتها: تلك هي شجرة الحياة، فلنا حلوها ومرها، وما يفيء من ظلها، وما ينحسر، ونشذب
18
منهما؛ فتنمو وتزيد، ونغير من أشكالها، ونلوي أو نكسر من فروعها ما شئنا، ونترك من ثمرها ما ينضج إلى أن ينضج، أو نتناوله فجا لا يساغ ولا يطعم، أما أن نجعل مرها حلوا، أو نرسل المادة الحلوة بأيدينا في جذور الفروع المرة التي لا تؤتي ثمرها إلا عللا، ومصائب ونكبات وموتا - فهذا ما لا سبيل إليه، ولا يغني فيه غناء، ولا تبلغ من حيلة، إلا إذا استطعنا أن نطفئ الفرع الأحمر من النار؛ فيتحول في أيدينا إلى شيء آخر غير الفرع الأسود من الفحم!
تأتي النعمة فتدني الأقدار من يدك فرع الثمر الحلو، وأنت لا ترى جذره، ولا تملكه، ثم تتحول فإذا يدك على فرع الثمر المر، وأنت كذلك لا ترى ولا تملك؛ ألا فاعلم أن الإيمان هو الثقة بأن الفرعين كليهما يصلانك بالله، فالحلو فرع عبادته بالحمد والشكر، وهو الأحلى عندك حين تذوقه بالحس. والمر فرع عبادته بالصبر والرضا، وهو الأحلى حين تذوقه بالروح!
القلب الإنساني ميدان تقتتل فيه القوى الأرضية والسماوية، فلا بد في النصر والخذلان جميعا من الدم يذهب كله أو بعضه، والجراح تبرأ أو لا تبرأ، والآلام تنسى أو لا تنسى ...
لا بد؛ لا بد؛ لا بد! •••
وجاءت حافلة السجن فركبها السجين، ومضت تجرها البغال طائعة منقادة، كما تنقاد إذا هي جرت مركبة ملك، وذهبت وما تحفل بشيء من الدنيا، وسياستها، وآدابها، وأحكامها ما تحفل بهذا السوط الدقيق المسلط على ظهورها ... أما أهل الرجل فتهالكوا وراء العربة؛ فالشاب يخطف في عدوه منكرا؛ كأن قربه منها يوصل بعض أنفاس الحرية إلى أخيه، والنسوة يهتلكن في جريهن، وكلما أبعدت الحافلة علا صراخهن ليبلغ السجين منهن شيء ما، أما الطفلان وجدتهما فوقفوا من الضعف كأنما وقفت قلوبهم، ولكن نظرات الجدة ارتمت إلى العربة، فلما غابت عنها ارتمت إلى السماء!