أما أنا فما يعجبني شيء ما تعجبني القوة السليمة في رجل شجاع، والضعف السليم في امرأة جميلة، وكما أنظر أكثر الوقت بالنظر الساكن المفكر، أحب أن أنظر أحيانا بمثل البرق المتطاير من عيني أسد مفترس، أو الازورار الزائغ في عيني جواد جموح، وخير الناس في رأيي من غسله تاريخ أهله بضوء السماء، وضوء السيوف معا.
6 •••
وكان الرجل يظهر كأنما هو لا يمسكه الحديد الذي يعض على يديه؛ بل ذنبه الذي يعض على قلبه: ولعله قتل ضعيفا مظلوما، فتحول ضعف القتيل، وذلته، ومسكنته إلى أرواح منتقمة من كبريائه، تدس في ضميره عنصر الجبن البغيض إليه، وتربط الروح الميتة إلى روحه؛ فلا ينزع ظلمتها عن قلبه كل ما في النهار من الضوء؛ ولا يجد النور إلا في الإقرار والندم؛ فيسكن إليهما.
وتبينته فرأيته ساكنا سكون الاستهزاء؛ كأنه على ثقة مما خفي عنه، تشبه ثقته بما وضح له؛ أو لتعاسته أخفق أكثر مما فاز. والإنسان متى كثر إخفاقه صارت الخيبة في الأعمال هي الخطة التي يبني عليها؛ أو لا هذه ولا تلك، ولكنها الشجاعة تجعل المطمئن إلى غاية الحياة لا يبالي بكل وسائل هذه الغاية المحتومة!
وقيل: إنه بعد أن غمس يده في الدم طار على وجهه تلفظه الأرض من جهة إلى جهة، حتى أسلمته يد النقمة إلى يد العدل! •••
ترى لو سألنا الوحش حين يفترس إنسانا: ماذا وقع في نفسك منه حتى ثرت به، وعدوت عليه؟ أكان يقول - لو أنطقه الله - إلا أنه أبصر في هذا المخلوق وحشا ماكرا خبيثا إن لا يكن في دقة ناب الثعبان، فهو في خطر سمه؛ وإنه لو رأى عليه سمت إنسان، وأبصر له نظرة إنسان، وأحس منه قلب إنسان للجأ من وحشيته إلى الإنسانية التي فيه؛ إذ الإنسانية هي حرم الأمن الإلهي الذي توضع عنده كل الأسلحة، حتى أسلحة الوحوش، وإذ الإنسان هو محرابها الذي تصرع عنده كل القوى، حتى قوى الطبيعة.
كأنما كبرت الإنسانية حتى عن أن تكون شيئا إنسانيا؛ فما هي فيمن ترى ممن حشو جلودهم ناس، وحشو نفوسهم بهائم؟ إنما الإنسانية هناك، بعد أن تخرج بنفسك من حدود الشهوات الأرضية، وترفعها فوق هذه الطبيعة، وبعد أن تعاني في شق طبقات النفس الحريصة طبقا عن طبق، مثل الذي يعانيه من يحفر في أصلب أحجار الأرض إلى غور بعيد!
فهناك لا تجد الأشياء، بل معانيها، وأسرارها، ولا الحوادث، بل أسبابها، وأقدارها، ولا نيران النفس، بل أضواءها وأنوارها؛ فترجع من ثم وفيك الناموس الذي ينبت الخضرة من العود المغبر،
7
ويخرج النار من الشجر المخضر، ويجعلك لبحر هذا الأزل كأنك مكان من البر. •••
كان السجين في بهو المحكمة، فصعد به الجند إلى غرفة «قاضي الإحالة»،
8
ووقفوه ساعة على مطل بين يديه فناء واسع أسفل منه، فتحول الناس إلى هذا الفناء، وتحولت معهم، وكان البطل يلوح كطرف المئذنة؛ فما هو إلا أن أدار عينيه في الناس حتى استقر بهما على ناحية، فنظرت حيث نظر؛ فإذا داء قلبه، وقلب كل من رأى ... ... ست نساء، وفتى، وطفلان، ورضيع؛ فأما واحدة فأمه، وأما الثانية فزوجه، والباقيات أخواته، والفتى فرع أبيه،
9
ثم الطفلان والرضيع أولاده، وقد جاءوا يودعونه، ويستودعونه؛ وحسبوا أن ليس بين رجلهم وبين الموت إلا هذا القاضي الذي مثل ببابه، فطرح الموت ظل فكره على وجوههم، وأخذ الرعب مأخذه فيهم؛ فما كانوا إلا كما يجتمع أهل الميت حول الميت.
رأيت أمه المفجوعة جالسة لا تحملها رجلاها، وعلى صدرها ذلك الرضيع تضمه كأنه قطعة من قلبها رجعت إليه، وتشد عليه بيديها شدة الجزع والحنان كما لو كانت تحسبه صلة بينها وبين ابنها، تنقل هذه الشدة بعينها إليه كما تنقل الكهرباء حركة المتحرك، وقد انطلقت دموعها، وفي كل نظرة إلى نكبة وحيدها مادة جديدة للبكاء!
وهي تنحني على قلبها حتى يداني وجهها الأرض، كأنها شعرت به ينكسر؛ فمالت ليلتئم صدع منه على صدع، ثم تعود فتعتدل؛ فيكاد ينشق قلبها فتضغطه بانحناءة أخرى؛ وهي في كل ذلك مرسلة عينيها تمطر مطرا، وكانت حين تنكف دمعها،