قال رجل حكيم: إذا بلغك عن أخيك ما تكره، فاطلب له من عذر واحد إلى سبعين عذرا، فإن لم تجد فقل: ولعل له عذرا لا أعرفه! وقالت امرأة حكيمة: إذا بلغك عن رجل ما تكرهين فاطلبي له من ذنب إلى سبعين ذنبا، ثم قولي: ولعل له ذنوبا لا أعرفها ... زوجوا الحكمتين أيها الناس!
يخيل إلي أن عقل بعض النساء مثل وجوههن المزورة: تحته ما تحته، وليس عليه إلا «غبار» من العقل!
من المستحيل أن تسكر النار وإن كان شررها ينطفئ كحبب الكأس، ومن المستحيل أن تلذع الخمر وإن كان حببها يموج موج الشرر، ولكن من الممكن أن تجد في امرأة واحدة لذع النار، وإسكار الخمر معا، وهي شيطانة النساء، يجتمع ممكنها من مستحيلين!
شر النساء عندك وعندي هي التي تجعلك تتنبه إلى ما في النساء من الشر!
قال بعضهم لزاهد عظيم: إني رأيتك الليلة تمشي في الجنة؛ فقال له الزاهد: ويحك أما وجد الشيطان أحدا يسخر منه غيري وغيرك؟ وقال رجل لامرأة: إني رأيتك الليلة في الجنة؛ فقالت له: ويحك! تقولها من غير أن تشكر فضلي عليك مع أني أدخلتك الجنة!
أشأم النساء على نفسها من لا تحب ولا تبغض، وأشأمهن على الناس من إذا عدت مبغضيها لا تعد إلا الذين أحبوها!
يا هذه لا أدري ما تقولين؛ ولكن الحقيقة التي أعرفها أن نفس المرأة إذا اتسخت كان كلامها في حاجة إلى أن يغسل بالماء والصابون، وهيهات!
يا من على الحب ينسانا ونذكره
لسوف تذكرنا يوما وننساكا
إن الظلام الذي يجلوك يا قمر
له صباح متى تدركه أخفاكا
| هوامش
الفصل الثالث
| السجين
وتغيم سحابي هذه المرة، وأطبقت في حواشيه سوداء على سوداء
1
كأنه يجمع هم قلب بات الألم من عناصر حياته.
رأيت في سوائه
2
رجلا ألبس الذلة وسيم الخسف،
3
وقد انتصب كالجذع المشتعل، وله فروع من الدخان، وهو هذا السجين الذي أقص خبره.
ألا إنما الإنسان من الأقدار كالنبات بين الفأس التي تحرث له، والمنجل الذي يحصد فيه؛ وما هذه الدنيا إلا هذان، فلا يحسبن العود الطالع أنه شيء غير العود المقطوع!
كنت يوما في محكمة كذا، فجاء الجند بسجين قروي كالمارد، يزعمون أنه سبع من سباع القرى، وشيطان من شياطين الليل،
4
وقد غلوا يديه بسلسلة من الحديد لعل فقار ظهره أصلب منها.
خلق في هيئة مستصعبة شديدة المراس كالجمرة المتقدة، ولكن الحياة ما زالت به من نكد إلى أنكد منه حتى طمرته في رمادها؛ لأن له عثرة هو عاثرها يوما.
وخلق في مزاجه وعصبه من المادة المشتعلة، حتى إذا التهب رأت منه الحياة شكلها القوي الجميل في الرجل المشبوب يرسل فروعه النارية على ما حوله: فإذا خمد رأى منه الموت شكله العنيف الجميل في الجمرة العليلة الذابلة حين تمر أنفاس الهواء عليها.
رجل طوال إذا انتصب والناس وقوف حوله رأيتهم معه أشبه بهم قعودا، مما يفرعهم من طوله، وامتداد قامته، مجدول الذراعين، مشبوح العظام
5
قد تباعد منكباه، وترامى بينهما صدر مصفح، كل ثدي من ثدييه يجمع قوة أسد.
وهو في توثيق جسمه، وتفرع بعضه من بعض كأنه شجرة رجال: كل فرع منها بطل منكر؛ وهو في إحكام تركيبه، واندماج بعضه في بعض كأنه تمثال أفرغ من حديد؛ فتوزعت فيه الكتل هنا وهنا، وكل ما فيه من الإجمال والتفصيل أنه جسم آدمي يمثل للأعين ناموس «بقاء الأنسب».
وجاءوا به والناس متقصفون عليه من ازدحامهم ينثني بعضهم على بعض لينظروا إلى الرجل الكامل، بل الذي نقص حين كمل، وهو مطل عليهم ... كأنه عبارة مبهمة في صحيفة! وكأنهم من حوله شروح وتفاسير رقمت على حاشيتها بخط دقيق، وقف كالشيء الغامض يروعهم بغموضه أضعاف ما يعجبهم بروعته! وكانوا كالشعاع: خيطا يظهر من خيط؛ وكان كالظلمة: نسيجا من قطعة واحدة؛ وأحسبه لو صاح بهم صيحة البأس لسقطت قلوبهم من علائقها سقوط أورق الشجر في قاصف من الريح، وكأن ما بينهم وبينه في الروعة والقوة كالذي تقيسه بين ألف متر انخسفت تحت الأرض، وألف متر انبثقت فوقها؛ فالبعد بين طرفيهما مضاعف كل منهما؛ وما زالت سنة الله أن تتضاعف الفروق دائما بين الأشياء التي لا يمكن أن تتفق، حتى لا يمكن أبدا أن تتفق!