وراعني ما أبصرت، فاستأنيت لحظة، ثم رفعت طرفي إلى مدار هذا الكوكب، فجعل يرمي بمثل شقائق البرق
6
تلمح واحدة لواحدة، ثم انقلب يتضرم كالتنور المستعر، ثم عاد لجة من «السحاب الأحمر» يموج بعضها في بعض كالحب المتوهج، يملأ فراغ قلب كبير؛ فاختلج الذي هو في صدري؛ وحضرتني
7
حاضرة من الذكرى لم تكد تعرض للفكر حتى انفلق السحاب عن وجه فاتن كالقمر الطالع، وكان متمثلا في نفسي مذ أبصرت تلك الشميسة، فكأنما أرى من السحاب مرآة فانطبع فيها؛ وما تلبث إلا يسيرا ثم اختفى.
وغصت في هذه النفس أفكر فيما رأيت، وأنا أمسك على قلبي أن يطير، فإذا «السحاب الأحمر» يمطر علي مطرة من الخواطر والكلمات، يتلاحق منها طرف بعد طرف، وتقبل طائفة وراء طائفة؛ كأن متكلما يتحدث بها في نفسي، أو كأنه وحي يوحى من ملك الجمال؛ فأسرعت أدونها، وأحصيها تحت عيني تلك الصورة الجميلة المشرقة علي، حتى امتلأ البياض سوادا، واستفاضت روح الحبر الأسود بالهم، على صدوع القلب وعلى شعابه.
8
وجاءت بعد ذلك ليال كان فيها السحاب يعرض لي صورا أعرفها، فإذا مثلها فاستوخيتها الفكرة سح علي الخواطر من روحها، فأقبلت كالمطر يفرغ إفراغا دفعة من غير تلبث.
9 •••
رأيت وجه فتاة عرفتها قديما في ربوة من لبنان، ينتهي الوصف إلى جمالها، ثم يقف؛
10
كنت أرى الشمس كأنما تجري في شعرها ذهبا، وتتوقد في خدها ياقوتا، وتسطع في ثغرها لؤلؤة، وكنت أرى الورد الذي يزرعه الناس في رياضهم، فإذا تأملت شفتيها رأيت ورقتين من الورد الذي يزرعه الله في جنته؛ وكانت لها حينا خفة العصفور، وحينا كبرياء الطاووس، ودائما وداعة الحمامة المستأنسة؛ وكانت روحها عطرة تنفح نفح المسك إذا تشامت الأرواح الغزلة بالحاسة الشعرية التي فيها!
وكنت إذا رأيتها بجملة النظر من بعيد صور لها قلبي من الحسن والهوى ما يموت فيه موتة ثم يحيا؛ فإذا جالستها، وأثبت النظر فيها رأيتها في التفصيل شيئا بعد شيء بعد شيء، كما أنظر نجما بعد نجم بعد نجم: كلها شعاع، وكلها نور، وكلها حسن!
وما نظرت مرة إلى النساء حولها إلا وجدت من الفرق بينها وبينهن ما يتضاعف من جهتها عاليا عاليا، ويتضاعف منهن نازلا نازلا؛ كأنه ليس في الأمر إلا أنها أخذت من السماء، ووضعت بينهن!
هي كالفتنة المحتومة تنبعث إلى آخرها، فليس منها شيء إلا هو يحسن شيئا، ويشوق إلى شيء، وبعضها يزين بعضها. •••
لقد تراخى الزمن بي وبها! فلو عددت لأحصيت مائة وخمسين قمرا منذ فارقتها، وما أحسب الأرض إلا انصدعت بيننا عن أقيانوس عظيم من الزمن تملؤه الأيام والليالي، فلا يخاض، ولا يعبر، ولا ينظر فيه أهل ساحل أهل ساحل غيره.
وعلى أن هذا الزمن قد محا في قلبي من بعدها وأثبت، فلا تزال تنشق لها زفرة من صدري كلما عرضت ذكراها، كأن القلب يسألني بلغته: أين هي؟
والقلب الكريم لا ينسى شيئا أحبه، لا شيئا ألفه؛ إذ الحياة فيه إنما هي الشعور، والشعور يتصل بالمعدوم اتصاله بالموجود على قياس واحد، فكأنما القلب يحمل فيما يحمل من المعجزات بعض السر الأزلي الذي يحيط بالأبعاد كلها إحاطة واحدة؛ لأنها كلها كائنة فيه: فليس بينك وبين أبعد ما مر من حياتك إلا خطوة من الفكر، هي للماضي أقصر من التفاتة العين للحاضر. •••
ليس بجمال إلا ذلك الروح الذي يرفع النفس إلى أفق الحقيقة الجميلة، ثم ينفخ فيها مثل القوة التي يطير، ويدعها بعد ذلك تترامى بين أفق إلى أفق؛ فإما انتهى المحب إلى حيث يصير هو في نفسه حقيقة من الحقائق، وإما انكفأ من أعاليه، وبه ما بالطيارة الهاوية: رفعت راكبها إلى حيث ترمي به ميتا، أو كالمغشي عليه من مس الموت!
والذين ينكرون أن الجمال يقتل أحيانا، أو يجعل الحياة كالقتل، ثم يدعون مع ذلك هوى وحبا، إنما هم أولئك الذين يعشقون بنفس العاطفة المادية الخسيسة التي يحبون بها الذهب، والفضة، وورق البنك ...