وليس يقع التعجب من الأمر؛ لأنه عجيب في نفسه، بل لأنه متصل من الإنسان بروعه ،
2
أو بعقله، أو بهواه، أو بمطامعه؛ فإن دهش الروع، أو تحير العقل، أو اشتهى الهوى، أو تمكن المطمع من النفس، فهذه هي الألوان الأربعة التي تصور منها الطبيعة الإنسانية كل معاني التعجب، والذي هو أعجب من جميعها أن الطبيعة لا تحتاج إلى جميعها في تصوير شيء إلا واحدا، هو تصوير الحب الصحيح في قلب إنسان.
فهذا الحب ليس حقيقة واحدة عجيبة، بل هو أربع حقائق داخل بعضها بعضا، فلا يتميز لون منها من لون منها. وما حقيقة الحب الصحيح إلا امتزاج نفسين بكل ما فيهما من الحقائق، حتى قال بعضهم: لا يصلح الحب بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر: يا أنا؛
3
ومن هذه الناحية كان البغض بين الحبيبين - حين يقع - أعنف ما في الخصومة؛ إذ هو تقاتل روحين على تحليل أجزائهما الممتزجة، وأكبر خصيمين في عالم النفس، متحابان تباغضا!
وللحب العجيب جنس من النساء عجيب، خلقن جواسيس على القلوب يدخلن فيها، ويخرجن منها، وقلما تجسمت الواحدة منهن إلا لتفضح للدنيا أسرار روح عظيمة؛ وهذا الجنس تهيئه الطبيعة تهيئة المادة السحرية، وتولد المرأة منه مرتين؛ فإذا هي انحدرت إلى الدنيا طفلة جعلت تأخذ في دمها الجذاب من شعاع الشمس يتوهج، ومن القمر يتندى،
4
وذهبت تنمو في ظاهرها نموا، وفي باطنها نموا غيره، حتى إذا بلغت مبلغها، وانبعثت ملء شبابها، آن لها أن تولد الثانية، فولدت في قلب رجل!
والعجيب أنها في الولادة الأولى يكون أول وجودها هو أول وجودها؛ أما في الثانية فذلك أول فنائها؛ لأن المرأة متى حلت من قلب الرجل محلا، جعل يفنيها معنى في كل معنى حتى تفرغ، فلا يبقى منها إلا ذكرى زمن مضى ...
وكل امرأة من هذا الجنس هي معجزة عقلية ما دامت مخبوءة في الشعاع السماوي من جمالها، وما دام هذا الشعاع يفعل فعله الذي عرفه الناس أوضح ما عرفوه في أديانهم، وعقائدهم، وفيما أنزلوه منزلة الأديان والعقائد.
وآية مصداق هذا الإعجاز
5
في المرأة الساحرة المحبوبة ذلك النوع من الحب، أنه بينا يكون محبها رزين الطبع، وازن الرأي
6
كالجبل الراسخ الوطأة، إذا هو من سخافة رأيه في بعض أهواء الحب ونزعاته، كأنه جبل يطير بألف جناح، وقد ملأ الخوافق بين السماء والأرض أوهاما سحرية!
وهنا معضلة الحب التي لا حيلة في فهمها، ولا في تقريبها إلى الفهم، وهي تثبت أن العاشق يعطى في ناحية خياله قبل الناس جميعا؛ ولكنه ينتقص من ناحية عقله مع حبيبته وحدها؛ فهما سحران تظاهرا.
7
ولا يشبه تلك المعجزة إلا أن ترى إنسانا يقوم على ساحل البحر الملح؛ فيلقي فيه رطلا سكرا، ثم يتذوق البحر؛ فإذا هو في مذاقه، وفي رأيه، وفي حكمه شراب سائغ، كأنما ألقى الرجل فيه وزن كرة الأرض من هذا الطعم اللذيذ الحلو ... ومع ذلك فهو عاقل فيما عدا ذلك!
| هوامش
الفصل الأول
| القمر الطالع
في يدي الآن هذا القلم الذي أكتب به، وهو سن قائمة في نصاب
1
من الزجاج أحمر صاف يشف عن داخله؛ فإذا طاف به النور أشع فيه،
2
وانصبغ بلونه؛ فرمى على إصبعي ظلا مجروحا،
3
يريك الجلد كأنما جرحه من فوقه لا من تحته.
فإذا راوحته يدي،
4
وقلبته أناملي، رأيت له بريقا يستطير فيه كأنه شعلة من اللهب حبستها معجزة في عود من الثلج.
فإذا استعرضته بين العين وبين الضوء الساطع، رأيت منه ياقوتة حمراء قد افتر فيها نبع كالفم الحلو، يتنفس على قلبي الحزين بابتسامات تأتي إلي وفيها ألوان شفاهها الوردية!
فإني لجالس ذات مرة في جوف الليل أكتب على ضوء الكهرباء، إذ طارت فيه نظرة من نظراتي، وكان بإزاء الشعيلة؛
5
فرأيت في خلاله من انعكاس الضوء شميسة صغيرة لم أر قط أحسن منها حسنا، كأنها سبيكة تحترق، وتتناثر ضبابا من بخار الذهب؛ فمددت النظر؛ فإذا أنا بتلك الشميسة كأنها إحدى عذارى الجنة انغمست في غدير صاف فحولها جمالها، فانقلب من معنى الماء إلى معاني الجمال المستحي؛ فاحمر كأنه لون خد مورد!