وليس بحب إلا ما عرفته ارتقاء نفسيا، تعلو فيه الروح بين سماوين من البشرية فتلوح منهما كالمصباح بين مرآتين: يكون واحدا وترى منه العين ثلاثة مصابيح؛ فكأن الحب هو تعدد الروح في نفسها، وفي محبوبها. •••
ولا سمو للنفس إلا بنوع من الحب مما يشتعل إلى ما يتنسم؛ من حب نفسك في حبيب تهواه، إلى حب دمك في قريب تعزه، إلى حب الإنسانية في صديق تبره، إلى حب الفضيلة في إنسان رأيته إنسانا؛ فأجللته وأكبرته.
فإذا أنت أصبت في الخليقة من أغفل الله قلبه
11
عن تلك الأربعة! فلا حب، ولا صلة! ولا يألف ولا يؤلف، فذلك هو الذي لا نفس له من نفوس الناس، كأنه سبع من السباع الضارية، أو هو الذي كله نفس، كأنه نبي من الأنبياء ... تجد الأول فيمن اعتزله العالم من شرار المجرمين، وأخلاط الشياطين الإنسية الذين لا يسعهم الناس بعد أن انفصلوا من إنسانيتهم، وانحطوا انحطاطا في أشد العنف؛ وتجد الثاني فيمن اعتزل هو العالم من خيار الأوابين، والشهداء الذين لا يسعون الناس بعد أن اتصلوا بإنسانيتهم الكاملة؛ فارتفعوا عن الخلق ارتفاعا في أرق الرحمة!
الحب بعض الإيمان: وكما أن الطريق إلى الجنة من الإيمان بكل قوى النفس؛ فإن الطريق إلى الحب من قوة لا تنقص عن الإيمان إلا قليلا؛ والخطوة التي تقطع مسافة قصيرة إلى القلب، تقطع مسافة طويلة إلى السماء!
وكما ينشأ الفكر أحيانا من عمل العقل الإنساني إذا هو تحكم في الدين، يأتي البغض من هذا العقل بعينه إذا هو تحكم في الحب.
وترى ما هذا الشبه بين المرأة وبين السماء؟ أكانت المرأة في أصل الخلقة مادة سماء بدأت تتخلق في الغيب، فحبسها الله في ضلع الرجل عقابا لها، ثم عاقبها الثانية فأخرجها للرجل تنظر إليه، كما ينظر السجين إلى سجنه ... ويكون الله سبحانه قد عاقبها مرتين؛ لتتعلم هي بطبعها كيف تتجنى على الرجل، وتعاقبه مرارا لا تعد؟
أيمكن أن يكون هذا الجمال الفتان في المرأة الجميلة خلاصة سماء من السماوات خلقت عينين وخدين وشفتين؛ تضحك أحيان بالنور، وتلتهب أحيانا بالبرق، وتنفجر أحيانا بالرعد؟
لقد عرفنا أن في السماء جنة ونارا، وأقسم لو صغرت الجنة، وجعلت أرضية تلائم حياة رجل من الناس، ثم عجلت له هذه الحياة الدنيا؛ لما كانت بمتاعها ولذاتها، وفنون الجمال فيها إلا المرأة التي يحبها ! ... أما الجحيم فلا أراني في حاجة إلى برهان على أنها صغرت وتجزأت، واندفقت على الأرض شعلا في أسماء من أسماء النساء!
لذلك أراني لا أستطيع أن أفهم المرأة الجميلة، بل لا أدري كيف أفهمها؛ فمن حيثما نظرت إليها لا أراها تبتدئ إلا من فوق العقل، فأنظر إليها ساكتا على أنها هي لا تنظر في إلا متكلمة. •••
يا ملون السماء، والوجوه الجميلة؛ يا مصور الروعة والحب، يا مبدع هذه المعاني الظاهرة إبداعا، جعلها لدقتها كأنها لم تظهر ... يا موجد القلب كما هو لتملأه السماء إيمانا، والجمال حبا، والمعاني فكرا منهما معا ...
ويا خالق الإنسانية العالية في الإنسان الكامل من إيمانه، وحبه، وفكره ... ... نعرف هذه السماء بما وسعت للإيمان، وهذه الطبيعة بما رحبت للفكر؛ فهل المرأة وحدها هي التي للحب؟
تباركت إذ جعلت ما وراء الطبيعة فوق الفكر مهما سما، وجعلت الطبيعة حول الفكر مهما اتسع، وأنزلت المرأة بين المنزلتين مهما كانت!
إن من النساء ما يفهم ثم يعلو في معانيه الجميلة إلى أن يمتنع، ومن النساء ما يفهم ثم يسفل في معانيه الخسيسة إلى أن يبتذل!
إن من المرأة ما يحب إلى أن يلتحق بالإيمان، ومن المرأة ما يكره إلى أن يلتحق بالكفر! •••
من المرأة حلو لذيذ يؤكل منه بلا شبع، ومن المرأة مر كريه يشبع منه بلا أكل!
| هوامش
الفصل الثاني
| النجمة الهاوية
طائفة من الخواطر في طائفة من النساء