تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ثم فلا يكون البائع في رأي نفسك قد سلبك بعض الدراهم، بل شيئا من القوة التي بها حولك وحيلتك، ومن الذكاء الذي تعامل الناس عليه، وسلبك بعض الشأن الذي يجعلك رجلا ذا بصر ومعرفة، وعلى قدر ما يتحرك من ذلك في نفسك يتحرك من الغيظ والحقد إن كنت رجلا داهية ذكيا، وبخاصة إذا رأيت البائع لا يبالي أن تعرف أنه تغفلك، بل يجعل من همه أن تعرف ذلك؛ فلا تعود الدراهم أشياء كما هي في نفسها من ضعف الخطر والقيمة، بل كما هي في نفسك مما وضع أمرها عليه؛ فلا تنحط قيمتها إلا بانحطاط قيمة النفس، وتلتحق بمعاني القهر والغلبة، وما كانت إلا من بعض معاني الربح والخسارة.

وعلى هذا المثل يقاس أمر الحب ونكده وجنونه؛ فما هو على قدر المرأة، ولا بمقدار مما تعطيه، وإنما هو استخذاء المعاني الإنسانية، وخضوعها لصفة حيوانية واحدة ينصرف كل ما في هذا الإنسان إليها، والأمر بعد كما قال أحد الأطباء في تعليل الجوع إذ قال: إن المعدة متى خوت ،

15

وفرغت من طعامها الذي كان فيها بعثت أعصابها الباطنة برسائلها العصبية إلى ساقة المخ،

16

وإلى مركز الأعصاب في العمود الفقري؛ تؤذن بأنه صار من الممكن إرسال طعام آخر. قال: فتترجم مراكز الأعصاب السفلى هذه الرسائل إلى جوع ...

وقل أنت مثل ذلك في القلب، فإنه متى وقعت امرأة من حاجته موقعا، ظمئ إليها؛ فأرسل رسائله العصبية إلى المخ بأنه من الواجب ... إطفاء هذا الغليل المحرق، فتترجم مراكز الأعصاب هذه الرسائل إلى حب!

وأنت أعلى عينا

17

بأن هذا كله نقل للمعاني الحيوانية إلى اللغة التي تحرك النفس فتلجئها إلى تسخير قواها في دفع الألم إن كان حقيقة أو خيالا؛ فإذا أضلعك أمر الحب، وضقت به، وعجزت أن تصرف القلب عن رسائله، فأشغل العقل عن ترجمتها، وأحكم معاقد هذه الخيالات ومقاصدها، وازدر تلك الحيوانية، وأبق الدرهم على قيمته ... ولا تحسبن المرأة مطيعة أكثر مما فيها، ولا تتوهمن أحسن ما يبدو لك منها إذا سحرت به على عينك إلا صورة مسحورة من أقبح ما فيك أنت، فإن قررت في نفسك هذه القواعد، وأجريت عليها ما يترجم لك العقل من رسائل القلب، جاءك من هذه الرسائل الحكمة، والفلسفة، والكبرياء، والأنفة، أو الصبر والأناة، وخضت الغمرة

18

بذراعين فيهما السباحة والنجاة، لا الاختباط والغرق!

كذلك أوحت إلي روح الشيخ! •••

في منطق الحس: متى وجدت الأسباب جاءت النتيجة من تلقاء نفسها؛ لأنها تدور مع أسبابها وجودا وعدما، فاحذف الأسباب تسقط النتيجة، ولكن الأمر عكس ذلك في منطق الحب: احذف النتيجة تسقط الأسباب كلها، فإنك إن لا تفكر في لذة ترجوها، أو تحرص عليها، نسيك الحب قبل أن تنساه، وهل علمت قط عجوزا تعشق لأنها عجوز ليس فيها إلا حطام العمر، أو عرفت إنسانا يحدس عليها ظنا من ظنون الحب، أو يصل بها سببا من أسباب المطمعة؟ أما إن هذه الفانية منطق سقطت نتيجته فلا يمكن في الطبع أن تقوم أسبابها؛ فإذا أنت محقت النتيجة وخيالها لم يبق بينك وبين المرأة ماسة

19

منك أو منها، واستحالت إلى منظر من مناظر الجمال يفهمك أو يلهمك أو يفسر لك، فلا تنزل منها منزلة الرجل، بل منزلة الفكر، ولا تكون هي منك بمقام المرأة! بل منزلة المعنى!

المصائب والنساء من شقاء الشقي أن يبالغ فيهن؛ فإن ما ينالك من خوف المصيبة ليس منها، ولكنه منك، وما يذهلك من حب المرأة ليس فيها، ولكنه فيك؛ فأنت من ذلك كالذي ينحت صنما من الحجر، ثم يصله بمكان الرغبة والرهبة من نفسه، فإذا القدرة كلها قد استفاضت عليه، وإذا الحجر الذي لا يملك ولا حشرة من حشرات الأرض قد تملك رجلا بعقله وقلبه وحواسه وحيزه من الدنيا، وإذا هذا الرجل يتعبد بحقيقته لخياله، وبعقله لوهمه، وبعلمه لجهله، وبما يصدق فيه لما يكذب عليه، ولا يبقى الحجر حجرا، ولا يبقى الرجل رجلا، وكذلك يصنع عاشق المرأة بالمرأة، وهي عند نفسه كأنما نبت جسمها على صنم معبود؛ يحسب فيها السماء والجنة، وما فيها أكثر من امرأة، ويكون منها في الحب والرضا كحجر الألماس: يلقي عليه الضوء لونا واحدا فيخرجه من قلبه ألوانا ذوات عدد في بريق وبصيص، وفي البغض والنفرة كالجسم المحترق: تحول كله نارا من شرارة، أو جمرة، أو شعلة، وهو في كلتا الحالتين يسر ويألم بمادته كلها لقليل طرأ عليه من مادتها هي، فهي شيء واحد، ولكنها بمادته تنقلب جمالا ملء عينه، وفتنة ملء صدره، وفكرا ملء عقله، وكذا وكذا مع هن وهن وهنات.

السحاب الأحمر · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ٣٦