تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

إنما هذه سبيل اللذات في الأنفس المريضة التي تزدلف بما فيه لذتها إلى ما فيه هلكها، ولا تكسبها اللذة شعورا إلا لتسلبها شعورا غيره، ولا تهيج فيها خيالا إلا لتطمس به على حقيقة، ولا تبتعث حرصا إلا لتغلب به على قصد؛ فالخمر فيمن يبتلى بها تسلب الشعور بفضيلة العقل، لتنشئ اللذات الخيالية التي هي من بواعث الجنون، والمال فيمن يحرص عليه يستلب الشعور بفضيلة الخلق ليحدث له اللذات الوهمية التي هي من بواعث السقوط، والمرأة فيمن يمتحن بها تنتزع الشعور بفضيلة التمييز؛ لتؤتيه اللذات الغريبة التي يكون منها الجنون والسقوط، ضرب من هذا، وضرب من ذاك!

ولن تجد كل جرائر الحب إلا متفرعة من هذين الأصلين، فهي بجملتها داخلة في باب سلب العقل بعضه أو أكثر، وفي باب سلب الخلق بعضه أو كله.

وفي النفس الإنسانية لا تمرض الحقيقة إلى من سوء التخيل فيها، كأن نعمة الخيال إنما وهبت للإنسان لتخرجه من حدود الحقائق؛ فيفسدها، ويفسد آثارها فيه، فتنقلب من مادة شقائه، وهي مادة سعادته! فالخيال هو القوة التي يثبت بها الإنسان إلى المجهول، وهو نفسه القوة التي يسقط بها إذا تقاصرت الوثبة، أو طاشت، وقلما جاءت إلا من هاتين، والخيال هو العنصر الذي تمزجه بالحقائق ليحدث فيها التنويع؛ فيخرج ثلاث حقائق من اثنتين، وهو نفسه العنصر الذي يستخرج الضرر الكامن في هذه الحقائق متى أسرف عليها، فيخرج من المنفعة الواحدة مضرتين: للحقيقة وللإنسان معا!

فالمنهوم الذي ينتهي بطنه، ولا تنتهي نفسه،

21

والحريص الذي يفرغ عمره، ولا يفرغ أمله، والفاجر الذي تذهب مروءته، ولا تذهب لذته، والمدمن الذي يسقط عقله وخياله لا يزال يعلو، والمقامر الذي لا ينفك يطمع في الغنى وهو فقير حتى من الفقر

22 ... كل واحد من هؤلاء مريض بمرض خيالي واحد، أما الذي هو مريض بشيء من كل شيء، فهو العاشق المريض بامرأة يهواها!

وهل في شقوة الخيال، وشدة غلوائه أعجب من خيال هذا العاشق؛ إذ يرى الجمال المخلوق كله لا يبلغ مبلغ القبلة الأولى التي لا تزال في شفتي حبيبته لم تخلق بعد؟

المرأة في النساء امرأة، كالواحد في العدد واحد، بيد أن خيال العاشق يرقم إلى هذا الرقم الفرد صفا طويلا لا يراه أحد غيره، فالواحد اسمه واحد، ومعناه ملايين كثيرة ... وبهذا يصبح العاشق مع المرأة الخيالية كالنسر حطمت مخالبه، وصدع منقاره، ونسل جناحاه، فاسمه نسر، ومعناه دجاجة ...

أف للشعر! يعلو بالأشياء كلها علو الأسرار الإلهية التي فيها، ويعلو بالشاعر على كل الناس؛ إذ كان فيه من روح الله أكثر مما فيهم، ثم لا يكون عقابه على هذا التأله إلا أن يرمي بصاحبه من فوق سماواته تحت قدمي امرأة إن كان في الشاعر روح رجل تام، أو بين سفلة الخلق، وسفاسف الأشياء، إن كان الشاعر مؤنث النفس أو ساقطها.

آه ... آه! إن الله لا ينعم قلبا في الدنيا على أسلوب النعيم في الآخرة، ولكنه ترك للناس أن يعذبوا أنفسهم هنا على نحو مما هنالك، فكلما طفئت لهم نار أوقدوا غيرها يحترقون فيها ليذوقوا العذاب لا ليموتوا!

إن لنار الآخرة سبعة أبواب، وكأن كل باب منها ألقى جمرة على الأرض، فباب ألقى الوهم، وآخر قذف الخوف، وثالث رمى بالطمع، والرابع بالحرص، والخامس بالألم، والسادس بالبغض، أما السابع فرمى بالشر الذي يجمع هذه الستة كلها، وهو الحب!

النار في الآخرة، ولكن أرواحها في الناس لتسوق أرواح الناس إليها!

| هوامش

السحاب الأحمر · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ٣٧