تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يصفه الناس بأنه الرجل الحكيم الذي أتي سر الحكمة لينبغ به، ويصفه التاريخ بأنه الحياة المجددة التي وهبت سر العظمة لتعمل لها، وتصفه الحقيقة بأنه العقل المفسر الذي اتصل به طرف السر الأعلى ليتكلم عنه، وليعمل له، ولينبغ فيه.

إذا كان في بعض جوانح الأرض أمكنة نادرة مقدسة هي قلب الدنيا الذي أودعه الله سر التأله، ففي بعض جوانح الناس قلوب نادرة هي كتلك الأمكنة، ولقد كان العالم الإسلامي كله يتصل من قلب الشيخ العظيم بمنسك

7

فيه معنى كمعنى الكعبة إذ تولي شطرها كل وجوه المؤمنين. •••

وأما بعد: فكأنما أفرط علي القلم فيما كتبت عن الحب؛ فإنه يخيل إلي الساعة أن روح شيخنا الجليل تريد أن تغسل هذا الكتاب كله، وتدعه ورقا أبيض،

8

ويخيل إلي كذلك أني كنت ماضيا فيما أكتبه كما تتعكس الأفعى

9

في مشيتها، إذ يندفع نصفها ليجر النصف الآخر، فلا تدري إن كان آخرها معلقا بأولها، أو الأول هو معلق بالآخر.

وكذلك كنت أكتب، فمرة أجد الفكر يجره القلب جرا، ومرة أجد القلب ينسحب للفكر، وبين ظهري ذلك

10

أراني ساعة ممتلخ القلب، وساعة مدله العقل

11

كأني لم أحب إلا لأتحول رجلا شاذا، تراه في الحب والبغض، وفي الصواب والخطأ، وفي الفكر والحس، على حد مما يعرف، وحد مما لا يعرف ، فليس كله من هذا، ولا كله من ذاك، وهو محب إلا أنه يبغض، ومبغض لكنه يحب!

إن زفرة من جهنم، ونفحة من الجنة جاءتا إلى هذه الدنيا، فرأتا من خبث الناس بدعا مبدعا

12

حتى لا يخلصون بأعمالهم إلى جنة ولا نار، فلا هم من أهل هذه وحدها، ولا أهل تلك على حدة، فاختلط نفس الجنة بزفير النار، وامتزجا حرا يستوقد الضلوع ببرد تثلج عليه الصدور، واجتمعا نعيما ببؤس، وراحة بتعب، وسرورا بهم، ثم وقعا في القلوب معا، فإذا هما الحب!

كذلك توحي إلي روح الشيخ.

أنت يا هذا إن أحببت امرأة فهي كما تثير كل ما فيك من الكمال تنبه كل ما فيك من النقص، بيد أنها تجعل هذا النقص علويا، وهو أفسد له، كالزوبعة إذ ترتفع من الأرض خلقا ماردا من الغبار ملتفا بالنور، ذاهبا إلى السماء، فيكون ارتفاع الغبار شرا طائرا لم يكن في الغبار الساكن ... أفتحسب أن حبك إياها هو الحب؟ كلا بل هو بادئ الأمر حبك أن تعجب بك، ثم بزيد فإذا هو الحب أن تميل إليك، ثم يبلغ فإذا هو حبك أن تخضع لك؛ هذه ثلاث كلهن مفسدة، فإن هي أدت في رجل واحد من الإنسان إلى فضيلة واحدة أدت إلى ألف رذيلة في ألف رجل من هذا الحيوان.

13

كل شيء يمكنك أن تضع ضميرك في أوله فتمضي فيه على بصيرة، إلا هذا الحب؛ فإن ضميرك لا يأتي موضعه فيه إلا آخرا، فإذا أنت أردت أن يحكم قلبك على من تحبها، وأن تأخذ عليها حكم قلبها،

14

فإنما تريد بنفسك الألم لا الحب، تريد أن تستوحي الدموع، وتخرج منها كلاما يبكي، تريد أن تزدرع شجرة الجنون التي ينبت فيها زهر الشعر ... وهذا لا يسمى حبا لحبيبة، ولا يؤمن إلا على كبار الحكماء، كما لا يؤمن فحص الآلة المهلكة ... إلا على كبار العلماء والمخترعين!

أنت يا هذا إن أحببت خاضع لقلبك، ولكنك أنت وقلبك سائران في طريق قلبها ... يقول كل محب في حبيبته: لا هي إلا هي ، أفلا يدل ذلك على ضلال الحب، وإفساده ملكة التمييز، وأنه شيء من الخبل يعتري فكرة بعينها في العقل، ويخرجها إلى الهوج والبله؟ وإذا ساغ لكل محب أن يقول في صاحبته: لا هي إلا هي؛ فمعنى ذلك أن (الهيات) ... كلهن عبث وباطل، وتكون الحقيقة الطبيعية التي يصرح عنها هذا القياس، أن كل (هي) مثل كل (هي) في الواقع، ولا انفراد لها إلا في عقل مجنون لا مساك له من المنطق، ولا عبرة به في القياس.

من أعجب الأمور أن الصفات التي يعد بها الإنسان إنسانا تخضع كلها أحيانا لصفة واحدة من تلك الصفات التي يعد بها الإنسان حيوانا، فإن خدعك بائع مثلا في دراهم معدودات، لا تمض الأمر على أنه خدعك، بل تعرف أنه غشك، ثم لا ترى أنه غشك، بل ازدراك، ثم لا تقول إنه ازدراك، بل تهزأ بك، وهذه حركة للنفس في اندفاعها إذا تركت تندفع، وتركت المعاني الغضبية تخوض في دمها.

السحاب الأحمر · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ٣٥