يا من أسكره الغرام، إن عربد حبك فاحطم كأسه، وأرق خمرها، ولا ترها إلا سما، فإن أكبر البلاء على السكير أن يلبس الحقائق المهلكة أثواب زينتها، فيزعم بينه وبين نفسه أنه لا يشرب الخمر، ولكنه ينقع غلة أحزانه بكأس من ماء السرور! ولا يتوحل في السكر، ولكنه يستمطر على خموله سحابة النشاط، ولا يتجرع الجنون، ولكنه يذيب همومه في جرعة من النسيان ...
ألا ما أصدق الخمر في السكير وهي صامتة، وأكذب السكير على الخمر وهو يتكلم!
| هوامش
الفصل التاسع
| الشيخ محمد عبده
وشف سحابي عن جلال رائع يضطرب القلب له! أذكرني روعة السحاب التي كان يهبط فيها ملك الوحي، ليست في نفسها آية، ولكن الآية فيها.
وظهر لي وجه الشيخ، وما أدراك من الشيخ؟ ثم ما أدراك من هو؟
1
رجل كان في تركيب العالم الإسلامي أشبه بالجبهة من جسم المؤمن: هي مجلى نور الإيمان، وأعلى ما يرتفع للأعين، ولكنها مع ذلك أول ما يسجد لله من هذا الجسم كله!
خلق فصيحا مبين اللهجة؛ لأن لسانه أعد لتفسير معجزة الدنيا في هذه اللغة، فكان لسانه - ولا غرو - معجزة في الألسنة، وكان له بيان ينبث من طبعه المصقول كالشعاع الذي توامضك به المرأة إذا انقدحت جمرة الفلك عليها.
2
وكان له عقل لو وزن في رجحانه لعد بين العقول من موازين التاريخ، وقلب إن يكن في جنبيه كالقلوب التي وضعت على منحدر المعاني الأرضية، فإنه كان دون القلوب على مهبط السماوات.
3
رجل لم يخلق من قبل زمنه؛ لأن الأقدار المصرفة ذخرته للقرن الرابع عشر تجعله وأصحابه النهضة الثالثة في الإسلام،
4
وكتبت له أن يكون الكنز الثمين الذي يفجأ العالم بانكشافه؛ ليعود القديم المبدع الذي كاد ينسى؛ فيتمكن في الأرض بأسلوب جديد، وما يدريك، لعل هذا الحكيم الفذ في علمه وعمله، وذكائه وإصلاحه سيكون التمثال العقلي المشرف على الأجيال، يفصل في تاريخ الإسلام بين ثلاثة عشر قرنا مضت، وثلاثة عشر قرنا تأتي؟
ولقد كان في تفسير كتاب الله رجلا وحده، على بعد عصره من فجر الإسلام؛ فكان يحمل في رأسه ذهنا كآلة اللاسلكي، تهبط عليه من أقاصي الدهر شرارة النبوة، فإذا تكلم في آية رأيت كأنما تتكلم الآية نفسها على ملأ العقل بين مشارق الأرض ومغاربها.
ولست أدري على أي روح نبت هذا الرجل؟ ولكن الذي أعرفه أنه حين أثمر فنضج فحلا، أذاق الناس من ثمره طعم معجزة الفكر العربي. •••
نظرت إلى عينيه ذات مرة فخيل إلي أن فيهما رهبة الأسد حين يجلي بنظرة كبريائه
5
ليدل على أنه الأسد لا غيره، فمددت النظر إليهما، فإذا روعة إنسان هو أرفع من إنسانيتنا، وإذا أنا ألمح فيهما ذلك الشعاع الغريب الذي ينبعث من أعين الحكماء ليصل بين السر الكامن في العقول، والسر الكامن في العقل، وكأنه استشعر ذلك فتبسم، فكان لنظرته جلال سماوي رحيم، أشرق على نفسي كما تشرق على روح الطفل ابتسامة أصله الإنساني. كان منطويا على حقيقة روحانية يسطع ضياؤها في عينيه، وينتشر على ما حوله، فلا يشعر من يجلس إليه أنه جالس مع الرجل، ولكن مع النفس العالية التي هي فيه؛
6
وكان أعظم هيبة من الملوك؛ لأن هؤلاء يحيطون أنفسهم بالديوان، والمواكب، والأسلحة، وكثير من ضروب التوقير والتعظيم، أما الشيخ فكنت تراه حيث رأيته كالمحراب حيث يكون: لا يقف عنده إلا من وقف ليتخشع، وما ذكرته إلا ذكرت قول القائل: في هذه الصورة الآدمية آدم، والملائكة له ساجدون!
كان هذا الإمام الفذ في قوة من ربه كقوة الجبل؛ يحمل ما يحمل، ولا يتلوى، وفي سعة من طبعه كاستفاضة البحر؛ يغمر ما يغمر، ولا يتغير، وفي صراحة من نفسه كاستطارة النهار؛ يطلع كما يطلع، ولا يخفى، فهو رجل، لكنه فكر من أفكار السماء، وهو جسم، لكنه عضلة من عضلات الطبيعة، وهو إنسان، لكنه حقيقة من حقائق الكون.