تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبى الله لروحك الطيبة إلا أن تمر في بيته قبل أن تمر إليه، فتسبح في نور الملائكة، وتتنسم ناحية مهبها وهي تصعد أو تنزل بالرحمة على الحجيج،

5

وتستضيء بتلك الشعلة القدسية التي أضاءت في الكعبة من وجه رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، ثم من سرائر أصحابه الطيبين، ولا يزال ضوؤها هناك كضوء الكوكب ملتمعا في سواد الحجر الأسود. •••

واختار الله لك بعد إذ انغمست في نوره أن تصعد إليه فلا ترجع من ذلك النور الأزلي إلى ظلام الدنيا، ولا تعود من النبع السماوي إلى حمأة الأرض، ولا تحل في بيت من بيوت الخلق بعد بيته هو، عز وجل!

واختار لك ما عنده على ما عندنا؛ فما في أيام هذه الحياة إلا غبار يثور على غبار، ولا في الناس إلا أحجار تتحطم على أحجار، ولا في أخلاقهم إلا أقذار تنصب على أقذار، ولا بين الحوادث والناس إلا كما بين الرياح والقفار، ولا بين الإخوان والإخوان إلا كما تجمع الأصفار من الأصفار ...

واختارك الله إذ اختار لك فما تركت (يرحمك الله) إلا علانية مشهودة، وسريرة محمودة، وآثارا في الصالحات معدودة، وأفراخا في شجرة الحياة كصغار الطير إذا رأت أباها فارق عوده.

يرحمك الله، إن أول ما يشهد لك عند الله كعبته؛ إذ كانت آخر ما عرفت من الدنيا، وإن الذي يدخل السماء من باب الكعبة لحقيق أن تضع له الملائكة أجنحتها: سلاما وتحية؛ فهنيئا لك إذ فتحت باب السماء بتلك القبلة الزكية التي وضعتها على أستار الكعبة، وهنيئا لك إذ ذهبت لتقول: «لبيك اللهم لبيك»؛ فانطلقت روحك الطاهرة فيها، وكانت أول كلماتك في السماء! وهنيئا لك، ثم هنيئا إذ قطعت البحر والبر إلى خير بقاع الدنيا لتقول لله من هناك: ها أنا يا إلهي. •••

إن الحقيقة لا تسأل كيف يحيا الحي، ولكن كيف يموت، ولا تتعرف ما قدرته على الإقامة، ولكن ما قدرته على الرحيل، ولا تبالي ما قوته على الرسوخ كالجبل، ولكن ما قوته على الوثوب كالطائر! فهناك بين حدود الدنيا وحدود الآخرة موضع هاو لا يتخطاه إلا ذو جناحين، قد اشتد كل منهما ووفى.

6

وهناك متى انتهى الإنسان وجد عقله وضميره قد امتدا من جانبيه كالجناحين، ورأى كل عمل من أعمالهما - في السيئة والحسنة - إما ريشة قد نسلها من جناحه، وإما ريشة قد أنبتها فيه.

القدرة على جو السماء في جناح الطائر، وفي ريش هذا الجناح، وفي قوة هذا الريش، والقدرة على السماء نفسها في عمل الإنسان، وقيمة هذا العمل، وصحة هذه القيمة. •••

لسنا نبكي عليك أيها العزيز، وإنما على أنفسنا؛ فإن ما أمامنا لا يمكن أن يكون دنيا غير الدنيا، يفتح لها تاريخ غير التاريخ، والحقيقة التي ضمتها ملايين «المجلدات» المحفوظة في القبور،

7

هي هي بعينها لن تتغير ولن تتبدل؛ فإذا بكينا الميت فما بكينا ذهابه عنا، ولكنا نبكي لبقائنا بدونه، كما اجتمع نفر من الغرباء في البلد النائي فيخترم أحدهم،

8

فما يرونه إلا معنى من أنسهم قد زال، وركنا من قوتهم قد مال، وجانبا من نظامهم قد أفسده الاختلال! وما دام في الأرض باك على ميت ، فالأرض دار الغربة لكل من عليها، وهي لن تكون وطنا لمن سيفارقها إلا إذا عد بطن الأم وطنا لابنها.

من وطن الأشهر المعدودة ينحدر الإنسان إلى وطن السنين المعدودة؛ أما الأزل والخلود، والوطن الإنساني الكبير، فهناك هناك حيث لا تساوي كرة الأرض بما فيها أكثر مما تساويه ذرة من التراب تصعد أو تهبط.

وهذا الذي نكرهه عقلا من أمر الدنيا الذي نرانا مضطرين إلى أن نعقله كرها شئنا أو أبينا.

فابكي أيتها الأعين الإنسانية، وتهيئي للبكاء ما دمت باقية؛ إن تيار هذا البحر الذي تنصب فيه الأحزان لا يعب من دموعنا

9

التي نبكي بها المكابدة الموت، ولكن من دموعنا في منازعة البقاء. •••

لهفي لذكراه صديقا كانت لنفسه العالية كالنجمة وهبت قوة النزول إلى الأرض، وحبيبا لو انقسمت روحي في جسمين لكان جسمها الثاني.

السحاب الأحمر · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ٣١