في البدر ظهرت كلمة الألوهية «أنا وحدي».
في وجه الحسناء تقرأ كلمة الألوهية «أنا وحدي».
فهل يمكن أن تقع الدميمة من الحسناء أقبح ما يقع ظلام القمر من نوره، فلا تكون في وجهها هي أيضا كلمة الألوهية «أنا وحدي؟». •••
لم يبق في البدر مع الحكمة العليا شيء يسمى الجمال، ولا المرأة الحسناء يكون فيها شيء أجمل من القمر؛ فهي مثله ليس فيها مع تلك الحكمة شيء اسمه الجمال؛ أفيمكن أن يكون مع الحكمة نفسها في وجه القبيحة شيء اسمه «القبح؟». •••
القمر طالع مشرق كما كان.
والجميلة الحسناء لا تزال فاتنة.
والدميمة ظاهرة كما هي.
لم ينقص الكون من ثلاثتها شيء.
ولكن أين أعين الرجل الكامل؟.
| هوامش
الفصل الثامن
| الشيخ أحمد1
والساعة أرى سحابي أصفى ما تمثل لي وأرقه، كالسماء في صبيحة سارية
2
إذا غسلها الليل، وأصبحت لابسة حريرها من شفق الصبح الأحمر، وأراني أنظر إليه، وأهتف له، وأستشرق في ضوئه، كالطائر: لا يسعه جلده مرحا، وتقلبا، وحنينا متى أصبح من الليلة الممطرة إصباح الشمس، بعد أن أباته بيته كأنها في عش السحاب.
وأشرق عليه صديقي هذا، ولا ومصرف القلوب،
3
إن ذكرته منذ لحق بربه إلا أخذني من الحنين إليه ما لا يكون مثله لصديق ميت، بل لحبيب هاجر يشعرك موت الأيام كيف يكون.
كانت صحبته إياي من أطراف الطفولة إلى آخر الشباب إلى تخوم الكهولة، وهي أيام شبع العمر، لا يطعم فيها من شيء إلا طعم من لذة، وما بعدها من تقاصر الحياة، واختلالها إلا كأيام سوء الهضم؟
إذا كان في امرئ من الناس باق بعد شبابه، فما أشبه هذا الباقي في جانب ما قبله بنواة الثمرة الحلوة من لبابها: تنتهي فيما تأكل إلى النواة، ولكن بعد أن يكون أطيب ما في الثمرة قد انتهى، وتفضي مما ينعصر في الريق حلاوة، ويسيل في الحلق لذة إلى بقية من الخشب رطبه أو يابسه، فلو كانت النواة من الذهب ما رجعت لك من ثمرتها رجعة.
4
يا أيام الشباب! أنت وحدك نور الحياة؛ لأنك منذ الفجر، وأنت وحدك نهار العمر؛ لأنك إلى أن تصفر الشمس، وليس وراءك إلا كآبة الليل تتقدم ليلها باسمة في شفق المغرب!
يا أيام الصبا! أنت وحدك الحب؛ لأن فيك ما في العيون الحبيبات، أشخاصا روحية ظاهرة بمعانيها الفتانة، فهي تلقي أشعة الجمال على كل ما تنظر إليه.
يا أيام الرجولة الأولى! إن في زمنك وحده تحل السعادة في العقل، إذ يكون العقل في عهدك ما يكون الطفل في عهده: لغته تجري من معاني الدموع والابتسام والضحك، ولا يستدير به إلا الأفواه الحبيبة التي تقبله أكثر مما تزجره، وحتى لو ضرب لكان الضرب سببا من أسباب تقبيله فيما بعد ...
يا أيام الشباب! أنت وحدك العمر، ومن بعد الشباب كل شيء يكون ففيه من الماضي فعل مستتر تقديره: كان! •••
يرحمك الله يا صديقي الكريم، تركتنا مصعدا إلى الله في سلم كانت الأولى من درجاتها عتبة هذا البيت في مصر، وكانت الأخرى تلك العتبة الطاهرة من بيت الله في مكة.
وذهبت عنا، وما علمنا أنك طائر يغطي تحت ريشه سر الجاذبية العليا.
واستودعتنا الله واستودعناك؛ فاشتبكت دموع في دموع، وما حسبنا أن أرواحنا تقيم من ذلك مناحتها قبل الفراق الأبدي.
وخاطبناك عند البين وخاطبتنا، وما عرفنا أن السماء كانت وقتئذ تكلم الأرض من شفتيك بألفاظ لها ما بعدها.
ونظرت إلينا طويلا تلك النظرة التي لا تكون إلا ممن يعرف حتى لا ينكر شيئا، أو ممن ينكر حتى لا يعرف شيئا، فإذا أنت تنكر من أعماق الأزل في تراب هذا العالم، ونحن لا ندري.
وسألنا الله أن يردك علينا أيها العزيز، فأثبت لنا أنك من أعز ما في الحياة حتى سقط دونك الأمل، فلا يتمثلك إلا الفكر وحده. •••
وذهبت إلى بيت الله متجردا من الدنيا ليس لك منها إلا جسمك؛ لتخف إلى محبته ورضاه، فلما شاهدت التجلي الأعلى تجردت من جسمك أيضا، واتصلت بنوره - سبحانه وتعالى - فلقد خلعت الدنيا مرتين، ومات بعضك في مصر، وباقيك في الحجاز، وخلصت روحك إلى ربها كما تخلص الجوهرة صافية متلألئة بعد استخراجها من معدنها مرة، وصقلها للرونق مرة أخرى.