كان دائما كالذي يشعر أنه لا بد ميت، وتارك ميراث مودته، فلا أعرف أني رأيت منه إلا أحسن ما فيه، وكأنما كان يضاعف حياتي بحياته، ويجعلني معه إنسانين.
وكان له دين غض كعهد الدين بأيام الوحي؛ لا تزال تحثه رقة قلب المؤمن، وفوقه رقة جناح الملك يخالط نوره القلوب.
وكان حييا صريح الحق، ترى صدق نيته في وجهه، كما يريك الحق صدق فكره في لسانه؛ ساميا في مروءته ليس لها أرض تسفل عندها،
10
وإنما هي إلى وجه الله فلا تزال ترتفع؛ ودودا لا يعرف البغض، محبا لا يتسع للحقد، ألوفا لا يسر الموجدة على أحد!
وكان رحيب الصدر كأن الله زاد فيه سعة الأعوام التي سينتقصها من حياته، ففي قلبه قوة عمرين، وكان طيب النفس، فكأن الله لم يمد في عمره طويلا؛ لأنه نفى منه الأيام الهالكة التي يكون فيها الإنسان معنى من معاني الموت.
11 •••
آه لو عرف الحق أحد لما عرف كيف ينطق بكلمة تسيء، ولو عرف الحب أحد لما عرف كيف يسكت عن كلمة تسر، ولن يكون الصديق صديقا إلا إذا عرف لك الحق، وعرف لك الحب!
لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان: لا خير لك إلا في معاداته ومخالفته ... ولا ذلك الرفيق الذي يتصنع لك، ويماسحك متى كان فيك طعم العسل؛ لأن فيه روح ذبابة ... ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم الحب كأنه وطن جديد، وقد نفيت إليه نفي المبعدين ... ولا ذلك الصاحب الذي يكون كجلدة الوجه: تحمر وتصفر؛ لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها؛ فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم أبدا إلا على أطراف مصائبك، كأنهم هناك حدود تعرف بها من أين تبتدئ المصيبة، لا من أين تبتدئ الصداقة، ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءا منك ليس فيك، فسائرك يحن إليه؛ فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود، وإذا مات ... يومئذ لا تقول: إنه مات لك ميت، بل مات فيك ميت، ذلك هو الصديق.
وكنا ذات يوم على شاطئ النيل، وبزغ الهلال كأنه إصبع ملك من الملائكة، خرقت ستار السماء لتحدث فيه ثقبا تنظر منه إلى نجمة ستهوي؛ فقلت له: هذا الهلال ما انفك يتلقى نور الشمس منذ خلق، وهو في نفسه مظلم أبدا، ولكنه من صحبته للنير قد أنار، وصار مع الشمس شمسا بيضاء، فما أكرم الصداقة من نعمة لو أصابها المرء على حقها فيمن خلق لها! كان أهل الكيمياء القديمة يسمونها «علم زراعة الذهب»، وأنا أسمي كيمياء الشمس في هذا القمر «زراعة الفضة»، فماذا تسمي أنت كيمياء الصداقة في معادن القلوب؟
قال: أسميها «زراعة الخير».
قلت: فإن لم ينبت، وأكله لؤم أرضه ...؟
قال: ذلك إلى الله لا إلينا؛ فإن في هذا الوجود قانونا دقيقا للخيبة لا يتسامح في شيء، وما يعرف منه الناس إلا حكمه حين يقضي فينفذ قضاؤه بدرك الشقاء. ألا إنه ما من الخيبة في الحياة بد؛ فإنها رد الأقدار علينا حين تقول «لا»، وهذه الخيبة هي العلم الذي موضوعه أن يعلم هذا الإنسان المغرور أنه شيء في الحياة، لا كل شيء فيها، فإذا كذبك صديقك مما قبله، وغمك بكثرة خطئه وزلله؛ فلا تزرعه مقتا وبغضا بعد أن زرعته خيرا وحبا، ولا تقطعه، بل انتظر فيأته،
12
فإن فتنة الصدر غامضة، ولقد يكون أشد البغض من أشد الحب، وليس لنا مع سفن القلوب إذا اختلفت رياحها، وهبت عواصفها إلا أن نطوي الشراع، ولكن إلى وقت.
فإذا جهدك البلاء من صاحبك، وبلغ منك اليأس، فما يسوغ لك أن تكون معه إلا كالذي حفر الحفرة، ثم طمها بترابها،
13
ألقى فيها ما كان فيها من قبل، ومضى كأن لم يكشفها!
قلت: آه! فإذا كانت الحفرة من شرها في عمق البئر ذاهبة إلى الأغوار البعيدة، أفأقضي شطر العمر أردم فيها بعد أن قضيت شطره أحتفر منها؟
قال: فمن ذا جعلها بئرا سواك؟