6
وإني لأشهد أني في بعض فصوله كنت أحامي عن الحب أن ينتقص؛
7
فأدير الكلام على ذلك فيلتوي، ثم أراه لا ينقاد، ولا يتابع إلا على خلاف ما أريد؛ فإذا أخذت في المذهب الذي يعن لي اتفاقا وعرضا،
8
تحدر الكلام تحدر الدمع من حيث لا يملك أحد أن يفيضه أو يكفه؛ لأنه عند أسبابه الباطنة، وفي فصل «الشيخ علي» خاصة كانت روح هذا الرجل الطبيعي كأنها هي التي تكتب، وكان مريدا على طبعه وخلقه،
9
فما ملكت معه محاماة ولا دفعا. وفي فصل «الشيخ محمد عبده» كنت أشعر كأني مرتق في صعداء مطلبها طويل بعيد،
10
فلا أخطو خطوة إلا مدافعا جاذبية الأرض، وشاعرا بأني أحمل نفسي حملا؛ وكنت كالذي يطأ على أضراس الجبل الصخري وأسنانه متئدا حذرا أن يزل فيسقط سقوط اللقمة الممضوغة ... ولا ينفعه في الصخر، وشموخه، وتعاليه أنه كان في عريض السهل عداء لا يلحق! •••
من الحب رحمة مهداة؛ فإذا كنت مع الله كانت كل أفكارك صورا روحانية؛ فأنت كالملك: هو في الأرض ما هو في السماء. ومن الحب نقمة مسلطة؛ فإذا كنت مع الشياطين كانت كل أفكارك صورا حيوانية، فأنت كهذا المتجهم الطياش
11
الذي لو نظر في كل مرائي الدنيا ما رأى في جميعها غير وجه القرد؛ لأنه القرد !
والناس في هذا الحب أصناف: فواحد يجاهد زلات قد وقعت، وهو المحب الآثم؛ وآخر يجاهد شهوات تهم أن تقع، وهو المحب الممتحن؛ وثالث أمن هذه وهذه، وإنما يجاهد خطرات الفكر، وهو المحب ليحب فقط؛ ورابع كالقرابة والصديق: عجز الناس أن يجدوا في لغاتهم لفظا يلبس هذه العاطفة فيهم؛ فألحقوها بأدنى الأشياء إليها في هذا المعنى، وهو الحب. وعلى الثالث وحده بنيت «رسائل الأحزان»، وعلى بعض الرأي في الباقيات كسرت هذا الكتاب.
من للمحب ومن يعينه
والحب أهنأه حزينه!
أنا ما عرفت سوى قسا
وته فقولوا كيف لينه؟
إن يقض دين ذوي الهوى
فأنا الذي بقيت ديونه
قلبي هو الذهب الكري
م فلا يفارقه رنينه
قلبي هو الألماس: يع
رف من أشعته ثمينه
قلبي يحب وإنما
أخلاقه فيه ودينه •••
يا من يحب حبيبه
وبظنه أمسى يهينه
وتعف منه ظواهر
لكنه نجس يقينه
كالقبر غطته الزهو
ر وتحته عفن دفينه
ماذا يكون هواك لو
كل الذي تهوى يكونه؟
دع في ظنونك موضعا
إن الحبيب له ظنونه
وخذ الجميل لكي تز
ين الحسن فيه بما يزينه
إن تنقلب لص العفا
ف لمن تحب فمن أمينه؟
ما لذة القلب المدل
ه لا يطول به حنينه؟
ما لذة العقل المح
ب ولم يجننه جنونه
الحب سجدة عابد
ما أرضه إلا جبينه
الحب أفق طاهر
ما إن يدنسه خؤونه
أفق الملائك نفسه
في البدء كان له لعينه
12 •••
ويلي على متدلل
ما تنقضي عني فنونه
كيف السلو وفي فؤا
دي لا تفارقني عيونه؟
| هوامش
| كلمة
كانت درتان متجاورتين في حلية على صدر حسناء؛ وكلتاهما يتيمة إلا من أختها،
1
تمج ذلك الشعاع النادر الذي جاءه الحسن من كونه ضوءا لم يولد من شمس، ولا من قمر! ولكن من ظلمات البحر؛ فتناجتا يوما، وكانت الجميلة قد استوفت كل زينتها، وحملت الدرتين على صدرها كأنهما عينا قلبها الثمين؛ فقالت إحداهما للأخرى وهي تشير إلي هذه الفتانة: انظري ... انظري، ما أحسن لؤلؤتنا!
صارت اللؤلؤة في هذا المنطق الشعري هي امرأة الأعماق المظلمة، وعادت المرأة الحسناء لؤلؤة الأعماق السماوية المضيئة؛ فلا شيء يريد أن يكون كما هو في نفسه؛ إذ لا يزال موضع الفصل من حكمة الله خفيا، لا يرى بل يتوهم، ولا يستيقن بل يظن؛ وكان خفاء هذه الحكمة في سماواتها إيجادا للخيال في الإنسان؛ حتى لا يظل أبدا في حيوانيته، ولكن هذا الخيال نفسه كثيرا ما أضاف إلى الإنسان حيوانية أخرى.
ولو كشف لك عن الحقيقة لرأيت أقبح ما في كل شيء أن لا يبرح أبدا محبوسا في حقيقة لا يجاوزها؛ ومن ثم خفف الله عن الإنسان؛ فأودع فيه قوة التخيل، يستريح إليها من الحقائق؛ فإذا ضجر أهل الخيال من الخيال، لم يصلحهم إلا الحب، فهو وحده ناموس التطور للقوة المتخيلة، ولن تجد في الأشياء العجيبة أعجب منه، حتى كأنه أم تلد؛ فالمرأة هي تلد الإنسان، ولكن حبها يلد النابغة. •••