15
وإنما يسمى غرام العاشقين حبا؛ لأن في العاشق دائما مع حبيبته أكبر معاني الطفولة، وفي العاشقة دائما مع حبيبها أصغر معاني الأمومة.
وما كان هذا الغرام ليسمى حبا لولا ذلك، ولولا أن في اللغات لصوصا من الألفاظ تسرق معاني غيرها ...
حب الأم في التسمية كالشجرة: تغرس من عود ضعيف، ثم لا تزال بها الفصول وآثارها، ولا تزال تتمكن بجذورها، وتمتد بفروعها، حتى تكتمل شجرة بعد أن تفني عداد أوراقها ليالي وأياما.
وحب العاشقين كالثمرة: ما أسرع ما تنبت، وما أسرع ما تنضج، وما أسرع ما تقطف! ولكنها تنسي الشفاه التي تذوقها ذلك التاريخ الطويل من عمل الأرض، والشمس، والماء في الشجرة القائمة.
لا لذة في الشجرة، ولكنها مع ذلك هي الباقية، وهي المنتجة، ولا بقاء للثمرة، ولكنها على ذلك هي الحلوة، وهي اللذيذة، وهي المنفردة باسمها.
وهكذا الرجل: أغواه الشيطان في السماء بثمرة فنسي الله حينا، ويغويه الحب في الأرض بثمرة أخرى فينسى معها الأم أحيانا! •••
وذهبت المرأة بالصغيرين بعد أن شهدت منها ومنهما مواقع رحمة الله في القوى المسكينة التي لم تجئها المسكنة إلا من كونها أطهر القوى وألطفها، وانفجر قلبي آلاما وسرورا ورحمة في ساعة واحدة، ثم كاد ينفجر آخر الأمر من الضحك ... حين أراد الطفلان أخذ الأديب السكير معهما؛ لأنه مضحك!
| هوامش
الفصل السابع
| الشيخ علي
وكأنما أنظر الآن في قلب رجل لا في وجهه، إذ تهلل على السحاب وجه «الشيخ علي» شيخ المساكين.
1
أراه كما كنت أعرفه ضاحكا غير الضحك الذي يلبس وجوه الناس، فلا يضحك لشيء إنساني، بل ما هو إلا أن تراه قد تهلل فرفع وجهه إلى السماء، وأرسل من فمه مثل نور التسبيح في إشراق جميل، حتى لقد كان يخيل إلي حين أبصره على تلك الهيئة أنه لا يضحك، ولكن قلبه يرتعش بعضلات وجهه!
لو أراد الله بالناس خيرا لوضع في أبصارهم أشعة تنبث في أطواء القلوب؛ فتعرف ألوان العواطف، وتميزها لونا من لون، ولكنه جعل الوجه غطاء على معاني القلب، ثم سلط الفكر على معاني الوجه ومعارفه، يصور فيها ما شاء مما له أصل في الحس، وما لا أصل له حتى ليختبئ الإنسان عن الإنسان، وهو مكشوف لعينيه ... وإذا كان الله سبحانه قد أوجد الخير والشر صريحين، فقد أوجد الإنسان ثالثا لهما، وهو تلبيس أحدهما بالآخر، وأراد الخالق ذلك، ويسره للإنسان، فجعل فيه آلة واحدة للصدق، وهي القلب، وآلتين للكذب: وجهه، ولسانه! •••
كان «الشيخ علي» يشبه إنسانية قائمة بغير إنسانها، على حين ترى أكثر الناس كأنه إنسان قائم بغير إنسانيته،
2
وكانت الدنيا كأنما نسيت أنه فيها، فتركت له روحه صافية منطلقة، تتطعم الحياة غير مستقرة في شيء، كما يتطعم النسيم رائحته من ورق الزهر؛ فهو يتسحب عليه، ولا يستقر فيه، ولو أنه ورق الزهر.
وما زالت روح هذا الرجل مني منذ عرفته كأنها نضاحة عطر،
3
تمج رشاشها على حياتي روحا وعبيرا وندى، وكأن الرجل طفل عزيز من أطفال قلبي، يملأ ما حوله ابتساما، وطفولة، ورقة، ولو أن أحدا خلق من عيني الطفل الضاحكتين لكان هو «الشيخ علي» رحمه الله، على أنه كان رجلا من سوسه القوة، معصوبا متكدسا،
4
يملأ جلده جذل من أجذال الشجر.
5 ••• ... وانقبضت نفسي انقباضة شديدة، إذ تغير الرجل في خيالي؛ فنظر إلي نظرة ينقدح منها شرر الغيظ، فلو أبصرت عيناك طائرا ضعيفا أراغه نسر، فاستطرده في نواحي الجو هكذا وهكذا،
6
ثم أهوى له بمخالبه، ثم سدد إليه نظرة غرزت هذه المخالب، وانفجرت بآلام لحمه ودمه - فاعلم أن تلك هي كنظرة الشيخ إلي، ولقد تبعثرت لها شياطين نفسي، فانطلقت يحاول كل شيطان منها مهربا، وكانت توسوس في صدري أن أستمد من روح الشيخ قوله في الحب، هذا الحب الذي مهما اعتبرته لم تجده إلا كإحياء الخيالات بقتل حقائقها. ... ثم ما لبث أن استضحك، وأطلق لي نفسي، وجاشت عيناه بنظراتهما الحكيمة، فقلت: ويحك يا نفس! إن عين الشيخ ترى من الجمال غير ما نرى، ثم تعلم علمها مما نظرت فيه، ثم تقدره على حساب ما تعلم منه؛ فما يدرك لعل هذا الرجل الروحاني لا يرى إلا ما وراء تلك البشرة الجميلة التي تكسو وجوه النساء الجميلات، كما نبصر نحن من وجوه الموتى، وقد تأكل جلدها، وتناثر لحمها، وبرزت عظما كسائر العظم من كل حيوان؛ فلا موضع قبلة، ولا سحر نظرة، ولا إشراق بسمة، وما هو إلا تركيب من العظم صنع هذه الصنعة؛ تيسيرا لما خلق له ... ولعله يا نفس لو حشر الله لعينيك أجمل الجميلات في صعيد واحد، وحشر معهن إناث البهائم صنفا صنفا، ثم نزع عن تلك الوجوه كلها ذلك الطراز من الجلد، وما وراءه من اللحم مزعة بعد مزعة،