ما أراني أعرف بعد طول الفكر سببا للشقاء الإنساني، يجمع كل ضروبه إلا سببا واحدا؛ هو أننا معدون لكل الحالات المختلفة التي تطرأ على الحياة بقلب من نوع واحد، فإذا استطعنا أن نجعل ظواهرنا موضع الترتيب، فإن بواطننا أبدا موضع الاختلاط، والألم والنكد! •••
ولما رأيت حيرة الطفلين ضممتهما إلي، وألهيتهما عن كآبة القلب بسرور البطن، فدفنت كل آلامهما في بعض قطع من الحلواء؛ فطعما واستضحكا، وتطعما الحياة جديدة آمنة.
والطفل لا يعرف مستقبلا ولا ماضيا، وما هو إلا حاضره؛ فإن عييت بأمره فأوجده ما يلهو به، فهذه هي سعادة الطفولة، ولقد سرهما من الأديب السكير الذي كان إلى جانبي أضعاف ما سرهما من الحلواء، بل كان زيادة في حلاوتها؛ فحسباه يتعمد بسطهما، وإيناسهما بحركاته وبكلامه الذي يطن في السماوات الزجاجية؛ فكانا يضحكان منه، وكلما تكلم أو أشار أو تحرك أو أنكر عليهما، استخرج بذلك منهما مثل تغريد العصافير؛ فكانت كل الفائدة من سقوطه، وضياع عقله أنه أضحك طفلين!
وقدرت في نفسي أنهما من هذا الشارع الذي نحن فيه، أو من فصيلته في الطرق التي تخالطه أو تقاربه، وقلت إن أهلهما على أثرهما؛ فجعلت أستأني وأنتظر، وبينما نحن على ذلك، إذ ارتفع سواد مقبل كأنه روح ليلة مظلمة تغشى الطريق؛ فتبينت فإذا امرأة تهفو كذات الجناحين، وكأنها تنساق بقوة تحترق في داخلها، ثم أخذتنا عيناها فإذا هي أم الطفلين، تبدو من لهفتها، واستطارتها لولديها كأنما تحاول أن تخطفهما من بعيد بقوة قلبها، وما عرفت أنها هي إلا بأن روحها كانت منتشرة على وجهها، ملموسة في نظراتها إلى الصغيرين، لها هيئة هيئة أم
12
وضعت الجنة تحت قدميها، فترى في وجهها معاني ليست من هذا العالم، وليست من الجنة نفسها؛ إذ تزيد على كل مسرات الدنيا هناءة الاطمئنان السعيد المفاجئ الذي لا يكون في الحياة إلا هنيهة ثم ينقطع، وتزيد على ما هناك هذه اللهفة اللذيذة التي لا توجد إلا هنا على أرض حينما تفجأ السعادة بعد شقاء لا يحتمل.
إن من لم ير أما أشفى طفلها على الموت في حادثة أخذته بغتة، ثم نهض سليما معافى، أو ضل عنها مدة حتى يئست منه، ثم اهتدت إليه؛ لا يكون قد رأى شيئا من سعادة الإنسانية العالية النادرة التي لا تكون إلا في الأمهات خاصة، ولا يشهدها الناس إلا في ساعة حرجة، تلمس فيها يد الله قلب الأم! •••
وهل الطفلان
13
لما أبصرا أمهما، ونفضا أيديهما نفض الأجنحة، ثم أكبت هي عليهما بجسمها، ومدامعها، وقبلاتها، والتحما بها التحام الجزء بكله، واشتبكت الأذرع في الأذرع حتى لا تفرق بين ثلاثتهم في معاني الحب إلا بالكبر والصغر، ورجعت معهما طفلة كأن تاريخها ابتدأ جديدا في ساعة من الساعات الفاصلة التي يتحول عندها التاريخ.
وإذا كانت القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها، فلقد كانت هذه القلوب الثلاثة في تلك اللحظة تنطق وجوهها بأنها في يد الله يهزها هزا! ولكم وددت لو أستطيع أن أخلط بها قلبي المسكين في لمسة واحدة ليشعر ولو لحظة في هذه الحياة أنه سما بروحه فوق العالم كله!
لو أصابك الهم لحبيبك إذ تراه مهموما متألما لذقت أحلى أنواع الآلام السعيدة؛ فكيف بك لو تبدل همه بغتة، فأقبلت عليك قبلاته وضحكاته تزحزح عن قلبك ناموس الكآبة؟
الحب! وما الحب إلا لهفة تهدر هديرها في الدم، وما خلقت لهفة الحب أول ما خلقت إلا في قلب الأم على طفلها ترأمه وتحنو عليه، ولن يحفظها للعالم إلا هذا القلب نفسه. ولقد يكون عمر الطفل يومين، ولكن لهفة أمه عليه، وحفظها إياه حفظ عينيها، تجعل له من الحب عمرا متطاولا، ولا يقاوم به الأقدار العادية عليه في مسارحها، ولولا ذلك لحطمته هذه الأقدار كما تحطم كل طفل أهمله ذوو عنايته،
14
فلهفة الأم على طفلها كأنها قوة سنين عددا في جسم هذا الطفل، ومن ثم لم يكن الحب الصحيح في أسمى مظاهره إلا حب المرأة لبني بطنها،