7
حتى لا يبقى إلا الوضع في بناء العظام وهندستها؛ فما يدريك لعل أجمل الجمال عندنا هنا لا يكون حينئذ إلا أقبح القبح هناك؟
أفمن جلدة على وجه امرأة يجيء الشعر والجنون معا، ويجتمعان في هذا الخيال الذي يسمى الحب، ويستنزلان معاني التقديس من أعلى السماوات إلى عين تلحظ لحظة، وشفة تبسم بسمة؟
إنه القلم الإلهي المبدع الحكيم هو الذي صور ولون، وافتن ما شاء؛ فإن رزقت امرأة جلدة جميلة مشرقة كأنما تجري فيها الشمس، وألبست أخرى جلدة قبيحة سفعاء،
8
تجول فيها رهبة الظلمة؛ فكلتاهما صبورة من صنع الله، وكلتاهما تظهر لونا من ألوان الحكمة، وكلتاهما جاءت لمعنى، وكلتاهما بعد غشاء زائل على وضع ثابت لا يختلف في هذه، ولا في تلك: وضع الحقيقة الجسيمة التي تحمل الحياة بأدواتها الكثيرة، والحياة لا تعرف البشرة إلا غطاء على ما وراءها، اسود أو ابيض، وكان من لون المرمر، أو من هيئة الطير!
ولو أن كل وجه في نساء الدنيا خلق دميما نافرا على أبشع ما نتصوره من القبح، لكان كل نساء الدنيا جميلات؛ إذ يألف الطبع الإنساني تلك الصورة الواحدة، ويتقرر بها الذوق في الجمال، وتستمر بها العادة، فلا يستبين وجه من وجه آخر في صفة، ولا يخالف مذهب مذهبا في حالة.
ولكن هذا الإنسان كتب عليه الشقاء، فخلق وخلق معه ما يطغيه، وما يستفزه، وما يخرجه عن طوقه، كما خلق له ما يزهده، وما يطمئن به، وما يحصره في إنسانيته. فالجميلات والقبيحات كلهن سواء في أنهن نساء هذه الإنسانية، لا تقصر في ذلك واحدة عن واحدة، وإنما يتفاوتن في أسباب الشقاء الإنساني الذي يبتلي الرجل بالمرأة، ويمتحن المرأة بالرجل.
ولو سما عقل الرجل إلى الغاية العليا من كماله؛ لرأى المرأة الجميلة الفاتنة في نصف جمال المرأة القبيحة، ولبانت الواحدة عنده من الأخرى بأن الدميمة مهيأة في نفسها لمعاني الأخلاق، والجميلة مهيأة لسفسافها،
9
ولرأى مع هذه بعض طباعها، ونزغاتها شرا مما تقدم بها من جمال وجهها، ومع تلك من أكثر طباعها، وصفاتها خيرا مما قصر بها من حسن صورتها.
بيد أن من شقوة الطبع الإنساني أنه سخط القبح فأحاله فسادا، وعبد الجمال فأحاله فسادا من نوع آخر؛ إذ كان في نفرته وحبه لا يعتبر المنافع والحقائق، ولكن الأهواء والشهوات، والمنفعة والحقيقة كلتاهما لا تكون إلا في قيودها، أما الأهواء والشهوات فهي دائما لا تقع إلا متخطية حدود العقل، إما إلى النقص، وإما إلى الزيادة، ولا تغري بشيء إلا أوقعت به السوء، إذ لا يستوي في القصد ما خرج عن الحقيقة، وما هو مقيد بالحقيقة. •••
كان هذا وحي «الشيخ علي» في نفسي، غير أني رددته عليه، وأزلني شيطان الحب مرة أخرى، فقلت: أفترى الشوهاء على ما بها مما ركع للدهر وسجد،
10
ثم تلك المرأة التي سمج تركيبها فتحامتها العيون، ثم الأخرى التي قمعت في بيتها تختبئ فيه من القبح؛
11
فصارت سرا في صدر الحيطان، ثم تلك التي تلوح في النساء كالسطر المضرب عليه أفسده الخطأ، ثم المهزولة التي أدبر جسمها،
12
وتقبضت أعضاؤها، وأصبحت جلدة تمشي وتتكلم ... أفترى هؤلاء أو إحداهن كتلك الغانية المتشكلة في ألوان الثياب كأنما تلبس بدنها الجميل بدنا معنويا يدل على معانيه، أو الأخرى التي تظهر في جمالها الفتان عاطلة من كل حيلة، ومع ذلك ترف على حسنها روح الياقوت، والألماس، واللؤلؤ مما عليها من البريق والشعاع، أو المطوية الممشوقة المسترسلة، كأنها في قوامها ووجهها غصن الجمال وزهرته، أو الحسناء اللعوب المزاحة، كأنما اجتمعت طباعها من نور القمر أطل في ليلة من ليالي الربيع يداعب أوراق الورد النائمة، أو ... أو تلك يا شيخ علي ...؟
قال الشيخ علي: فيا ويلك! إني والله بك من رجل لخبير،
13
أفمن أجل واحدة؟ أما إنه لعل الذي جعلها حقا عندك هو الذي يجعلها باطلا عند سواك، ولعله ما حسنها في عينك إلا أن طبعا من الجد فيك استملح طبعا من الهزل فيها، كما ترى معنى مكدودا في إنسان يستروح إلى نقيضه في إنسان آخر. ولعل من أمتع اللذات وأبهجها لقلب المهموم أن يتصور في همه من يعرفه طروبا فرحا، وإن كان كلا الرجلين لا يسكن لعشرة الآخر لو تعاشرا واختلطا. وهذه القلوب لا تؤتى من مأتى هو أدق وأخفى من توهم ما فيه اللذة؛ فإن النفس ترجع عند ذلك بكل حقائقها إلى نوع واحد من الوهم، ينصرف بها إلى تمثل هذه اللذة التي استشرفت لها، وطمعت فيها، فإذا طعمها في الدم يهيج له سعار