ألا إنما الناس صور الفكر، وصور القلب، فمن لم نر فيه صورة من أفكارنا التي نلتمسها، أو من أهوائنا التي نحبها، فذلك ليس منا، ولسنا منه، وإن سمي أخا في لغة النفاق، وإن دعي حبيبا في لغة المجاملة، بل هو مخلوق ليكون النموذج الذي نتعلم عليه البغض إن كان متصلا بنا، أو التسامح إن كان بعيدا عنا، ولم تتصل بنا، ولا أخباره ...
وكم بين الناس من اسم تعرفه على صاحبه كهذا النور الأحمر الذي يضعونه في الطرق؛ فيضيئونه من الليل فوق الحفر ... لينذر الناس ما وراءه، ويقول لهم بصوت النور: ههنا ما ينبغي أن تحذروه، ههنا حفرة ...
إنما الناس صور الفكر، أو صور القلب، فهم منقسمون حين يولدون أسباطا أسباطا باختلاف الدم في كل أسرة، وهم متفرقون حين ينشئون أفواجا أفواجا باختلاف الصحبة في كل فئة، وهم متباينون حين يتدفعون أحزابا أحزابا باختلاف الهوى في كل طائفة، وهم متناكرون حين يتنازعون أمما أمما باختلاف المنفعة في كل أمة، فتلك أربعة وجوه تلبسها الإنسانية فيهم، ومن ثم قضي على هذه الإنسانية المسكينة في الأرض أن تكون ثلاثة أرباعها عداوة، كالأرض نفسها: ثلاثة أرباعها ماء ملح لا يساغ ولا يشرب، وإنما منفعته للكون كله في الجملة! ولعل شيخا من الشيوخ لو تدبر حياته، وأحصى أقدارها، وميز أنواع حوادثها، وما أتي عليه فيها من أولها إلى آخرها، لرأى ثلاثة أرباعها ملحا أيضا ...
إنما الناس صور الفكر، أو صور القلب، فليس يأتي للوالدين أن يربوا من أولادهم ناسا، بل أهواء ومطامع يناقض بعضها بعضا: مطامع تتبع أسبابها، وأهواء ترجع إلى غرائزها؛ فلو أن أهل هذه الأرض بلغوا بما لا نعلم من الوسائل أن ينظموا ظاهر دنياهم حتى يكون سواء لا يخالف شيء منه على شيء؛ لبقي الانتقاض والاختلال في باطن الإنسان، حتى لكأن بعض الدم يخلق غالبا على بعض الدم. وإنه لا شيء في هذه الحياة إلا وقد خلق معه ضده، فإذا استقامت الأمور فلمن تكون الأضداد لعمري؟
إنما الناس صور الفكر، أو صور القلب، فدنيا كل إنسان في شيئين: ما ينزع إليه بفكره، وما يميل إليه بقلبه، والإنسان من كل إنسان أحد اثنين : من ترجى به المنفعة، ومن تكون فيه المحبة، والإنسانية من كل إنسان في منزلتين: أدنى الحب، وتلك منزلة الصداقة، وأعلى الصداقة، وهي منزلة الحب؛ فأما وراء ذلك فصحراء الإنسانية الكبرى المقفرة من قلب الشخص وفكره. ولولا الأديان لخربت الدنيا، فإن هذه الأديان قد عمرت هذه الصحراء بعنصرين جليلين أنبتا فيها القلب والفكر، وهما: خوف الله في خلقه، ومحبة الله فيهم؛ فحيث وجد هذا الخوف، وهذه المحبة وجدت الإنسانية، وعلى ذلك فالإنسانية العامة الحقيقية هي الإيمان، والإنسان العام الصحيح هو المؤمن، والسلام العام الكامل هو الله جل جلاله.
ولكن يا لشقاء الإنسان التعس! إن أعجب ما في الشر أن اختلاف الناس في فهم هذه الثلاثة هو أصل الشر!
وسألوا الطفلين أسئلة سياسية ... ما وطنهما؟ وما جنسهما؟ أي من أي شارع، ومن أي والد؟
ألا ضل ضلالكم أيها الناس! فلو أنهما يعرفان من أي شارع، ومن أي والد لما كان منهما ما ترون، على أن الطفلة لجلجت في بعض كلمات تشبه اضطراب قلبها، وكان الصواب كله ماثلا لعينيها مجتمعا في ذهنها، فالبيت، والشارع، والأب، والأم كل ذلك واضح في خيالها، ولكن الذي استبهم عليها هو تحديد نسبته إلى هذا الوجود الذي تراه كله بيوتا، وشوارع، ورجالا، ونساء، وإنما تحديد الشيء هو تعبير الطبيعة عنه، وإنما تعيين نسبته من غيره هو تعبير الشيء نفسه عن خصائصه؛ فإذا أنت عرفت نسبتك من سواك، وحصرت هذه النسبة في حدودها وأسوارها، فقد أمنت الخطأ في سعادة نفسك، وأصبحت بتلك المعرفة أسعد إنسان.
ولكن من لك بهذه المعرفة، وبهذا التحديد، وقلوب الناس كافة كأمواج البحر في البحر: تظهر كل واحدة قائمة بنفسها في رأي العين، وهي راجعة في جميعها إلى أصل واحد، هو هذا السيال المتحرك الذي يتضرب بعضه في بعض ليوجد الأمواج ويفنيها.