منقطعان في ظلام الليل، وليس على الأرض أهنأ من ليل الطفل النائم، فهل يكون فيها أشقى من ليل طفل ضائع؟! نامت أحلامهما، واستيقظت أعينهما للحقائق المظلمة الفظيعة، وضاعا من البيت، ويحسبان أن البيت هو الضائع منهما ... طفلان في وزن مثقالين من الإنسانية، ولكنهما يحملان وزن قناطير من الرعب.
يا من لا إله إلا هو، من سواك لهاتين النملتين في جنح هذا الليل الذي يشبه نقطة من غضبك؟ لقد أخرجتهما في هذا الضياع مخرج أصغر موعظة للعين تنبه أكبر حقيقة في القلب، وعرضت منها للإنسانية صورة لو وفق مخلوق عبقري فرسمها لجذب إليها كل أحزان النفس!
صورة الحب يمشي متساندا إلى صدر الرحمة في طريق المصادفة المجهولة من أوله إلى آخره، وعليهما ذل اليتم من الأهل، ومسكنة الضياع بين الناس، وظلام الطبيعة وكآبتها!
رأيت الطفلة وقد تنبهت فيها لأخيها الصغير غريزة أم كاملة، فهي تشد على يده بيديها معا كأنها مذ علمت أنها ضائعة، تحاول أن يطمئن أخوها إلى أنه معها، ولن يضيع، وإنه معها!
10
فيا لرحمة الله!
وقد أسندت منكبه على صدرها وهي تمشي، فلا أدري إن كان ذلك لتحمل عنه بعض تعبه فلا يتساقط، أو ليكون بها أكبر من جسمه الضئيل فلا يخاف، أو لأنها حين لم تستطع أن تفهمه ما في قلبها بلغة اللسان أفاضته على جسمه بلغة اللمس، أو لا هذا ولا ذاك، إنما هي تستمد من رجولته الصغيرة حماية لأنوثتها بوحي الطبيعة التي رسخت فيها!
أما الطفل فمستذل خاشع، لو ترجمت نظراته لكانت هذه عبارتها: اللهم إن هذا العمر يوم بعد يوم، فأنقذنا من بلاء يومنا!
ولما وقفا بإزائنا كان هذا الصغير يقلب في وجوه الناس نظرات يتيمة، ترتد على قلبه آلاما لا رحمة فيها؛ إذ يشهد وجوها كثيرة ليس لها ذلك الشكل الإنساني المحبوب الذي لا يعرفه الطفل من كل خلق الله إلا في اثنين: أمه، وأبيه!
وما أسرع ما تناهض الناس، وأطافوا بهما، وما أسرع ما لاذ المسكين بأخته، واستمسك بها؛ كأن وسائل الرحمة تخيف كما تخيف أسلحة «الجراح»،
11
أو كأن الأصل في هذا الإنسان هو العدوان على أخيه، وظلمه، واجتياحه، فكل حركة إنسانية مشكوك فيها حتى يقع أثرها؛ لأن الإنسان نفسه ستار منسدل على نيته، وهذه النية آلة للأطماع، فلا تزال في يد الكذب دائما، لا يدعها للصدق إلا فيما لا «ينفع» ...
وكان الطفل المسكين في جملة النظر إليه، خلقا من الحب المؤلم الذي يلهب الدم، يرسل من عينيه الدعجاوين سحر المذلة الفاتنة، تلك المذلة التي أعرفها أقوى ما في الحب إذا تذللت الحبيبة في نظرة ضارعة ترسلها لمحبها المفتون، فلا تبقي في رأسه رأيا، ولا في قلبه نية، وتذل له ليذل هو لا غير، كأن أحب العز في أحب الذل!
ونظر إلي أنا أول رمقة، فذكرت أطفالي فتزلزل قلبي، وأحسست أن دمي استحال إلى بارود وقع فيه الشرر!
وهؤلاء الأطفال الصغار هم إنسانية على حدة، فكل أب هو أبو هذه الإنسانية كلها، ولن يطيق من كان له طفل أن يرى صغيرا ضائعا في الطريق يستهدي الناس إلى أهله، ويبكي عليهم، أو طفلا جائعا يعرض على الناس وجهه المنكسر، ويستعطفهم بصوته المريض أن يطعموه، أو طفلا يتيما قد ثكل أهله، وضاق بقسوة أوليائه، فانطرح في ناحية يبكي، ويتفجع، ويسأل من يعرفون الموت: أين أبي؟ أين أمي؟
هؤلاء جميعا ليس بينهم وبين قلوب الآباء والأمهات حجاب؛ إذ ليس فيهم من الناس إلا اضطرارهم إلى الناس؛ فهم الإنسانية الرضيعة التي خلق من أجلها القلب الإنساني في شكل ثدي. •••
واطمأن ذلك الطفل إلى صدر أخته، ومال برأسه عليها، ثم أطلق عينيه فينا جميعا، فما حسبته أراد إلا أن يخبأ في قلبها أفكاره الصغيرة، ثم ينظر إلى هؤلاء الناس نظرات مجردة بلهاء كما ينظرون هم إليه؛ إذ لم ير فيهم من فتح له ذراعيه، ولا من حمله، ولا من تحنى عليه، ولا من ضحك له، ولا من أعطاه شيئا يأكله!