جلست ليلة مع صحبة من الأدباء في ندي
2
على عنق شارع كذا بالقاهرة، وكنا في الوقت الذي يقبل فيه الليل على أعماقه قبل أن ينتصف بمنزلة واحدة،
3
تلك الساعة التي هي أول عهد الليل بالتنفس تحت الأجنحة السماوية،
4
تنزل لتختم على أعمال الأرض في يومها الغابر، ثم تأخذ في تهيئة الجمال السماوي البديع الذي سيخلق منه الفجر.
وكان إلى جانبي أديب سكير، نسميه «دمياط الحانة» ... لأن فرعا من نهر الخمر ينصب فيه كما ينصب فرع النيل عند (دمياط)! وقد عودته الكأس أن يتخذ الليل نهارا، والنهار ليلا، فما ينصرف إلى بيته إلا في فروع الصبح،
5
ولا ينام إلا والعالم كله متيقظ، ويزعم أنه لا يهتدي إلى عقله إلا إذا أضاعه ساعة أو ساعتين،
6
ولا يحسن تصفية الكلام، وترقيق المعاني إلا إذا نضج جوفه بماء الشعر!
7
وكان في تلك الساعة قد حط عليه الساقي حتى انتهى في سماواته الوهمية إلى الأفق الزجاجي، فعاد كلامه رنينا، وطنطنة لا يفهمه إلا صاحب الحانة وحده ... فلما دهته الداهية من كرب الخمر تخطى حد إنسانيته إلى البهيمية السائمة، وما كاد يرتفع الستار الإنساني عن مسرح أخلاقه، حتى رأيتني في رواية عجيبة يمثلها أربعة اجتمعت أرواحها في شخص واحد: سفيه، ومعتوه، وأحمق، وأديب ...
وجعلت أتأمل على يقين الخبرة، أشهد على حق النظر عجيبة هذا العقل الإنساني الذي يسبح في الأفلاك، ويتطوح من شاطئ المجهول إلى شاطئ المعلوم بوثبة أسرع من ضربة الجناح، ثم هو مع ذلك يغرق في زجاجة خمر، وصرت أرى كيف يتحول النبوغ العقلي في بعض ساعاته إلى صناعة خسيسة، هي صناعة الأديب نفسه الشريفة بهيمة من البهائم، وعلمت علم هؤلاء الأدباء الذين يحسبون الخمر توحي إليهم، وما في ملء الدن منها ما يعدل فائدة واحدة من قوة الإرادة.
لقد رأيت وعلمت وشهدت بعيني رأسي كيف يبوء هؤلاء بالمأثم والمغرم جميعا؛
8
وتالله إنه لأيسر على الباحث أن يجد الشراب الذي يغترف منه الظمآن بكفيه ماء زلالا، من أن يعثر على الكأس التي يقتبس منها السكير فضيلة أو فائدة.
ولو رجع الأمر إلي ما جعلت عقوبة الخمر إلا تحطيم الزجاجات على رءوس شاربيها؛ وهب أن رأس الأديب السكير هو رأس أرسطو علما وذكاء؛ فذلك أدعى لتحطيمه؛ لأنه لن يكون في عربدته، وسكره، وانحطاطه، وسقوط همته إلا رذيلة يدافع العلم والذكاء عن وجودها، فينصبها الشيطان مثلا للتقليد، ويتخذها الأغرار والضعفاء قاعدة للباطل المتبع، يعملون على احتذائها، ويتحولون عن فضيلتهم بحجتها؛ فيصبح هذا الرأس الواحد كالمطبعة: متى حبرها الطابع نقلت ما فيها «بحروفه» إلى كل الصحف البيضاء التي تلامسها! ••• ... وفي تلك الساعة كانت الأرض قد عريت إلا من أواخر الناس، وطوارق الليل، وبقية من يقظة النهار، تحبو في الطرق ذاهبة إلى مضاجعها: فبينا أمد عيني وأديرهما في مفتتح الطريق ومنقطعه، إذ انتفضت انتفاضة الذعر، ووثبت رجة القلب بجسمي كله كما تثب اللسعة بملسوعها؛ ذلك حين أبصرت الطفلين ...
صغيران ضلا من أهلهما في هذا الليل، يمشيان على حيد الطريق
9
في ذلة وانكسار، وتحسب أقدامهما من البطء والتخاذل لا تمشي، بل تزحزح قليلا قليلا فكأنهما واقفان، أكبرهما طفلة تعد عمرها على خمس أصابعها، والآخر طفل يبلغ ثلاث سنوات؛ ينحدران في أمواج الليل، وقد نزل بهما من الهم في البحث عن بيتهما ما ينزل مثله بمن تطوح به الأقدار، إذا ركب البحر المظلم ليكشف عن أرض جديدة.
تتبين الخوف في عيونهما الصغيرة، وتراه يفيض منهما على ما حولهما، حتى ليحسب كلاهما أن المنازل عن يمينه وشماله أطفال مذعورة!
ويتلفتان كما تتلفت الشاة الضالة من قطيعها: لا يتحرك في دمها بالغريزة إلا خوف الذئب!
ويتسحبان معا وراء الأشعة المنبثة في الطرق، كأن أضواء المصابيح هي طريق قلبيهما الصغيرين.