وهل ترون المرأة الوطنية منكم إلا كالزهرة: نضرتها في غصونها وأوراقها، فإذا طرحتها غصونها عمل منبتها الاجتماعي فيها - وهو التراب - حين تتصل به عكس ما كان يعمل حين لم يكن يصل إليها من فروعها، وأوراقها غذاء يحمل روح الماء، وروح الشمس؟
أما والله إنكم فئة لا تعد إلا في مصائب وطنها، وإنكم لكالأجنبي، ما دام أحدكم لا يصل أمومة أولاده بتاريخ أمه، وإنكم لكالغاصب، ما دمتم تغصبون حتى نساء الوطن في رجال الوطن، وإنكم لكالعدو، ما دام كل واحد منكم حربا على بيت ... ألا فدعونا من الجاهلين، فقد يكون من بعض عذرهم الجهل، ومن المتلصصين، فمن عذرهم الحاجة ، ومن المفسدين، فمن عذرهم سوء التربية، ومن الساقطين، فعذرهم ضعف النفس، ومن الخاملين، فعذرهم الترك والإهمال، ثم اعطفوا على هؤلاء مائة واو أخرى، فكلها مسوغة أعذارها المحمولة على محاملها، وكلها أقرب إلى الدهماء منها إلى المتعلمين، وإلى أخلاط الناس منها إلى الخاصة، وإلى السفلة منها إلى العلية ... ولكن ما عذركم أنتم عن شهوات أنفسكم، وإيثاركم هذه الشهوات، واستهتاركم في هذه الأثرة؛ يعجز أحدكم أن يكسر جماح نفسه؛ فيجني على نفس من نساء وطنه، هي التي زهد فيها، واستبدل منها، وعلى نفوس من أبناء وطنه! هم الذين سيعقبهم من ذريته، ويأتي بهم للبلاد أجساما غابت قلوبها، ونفوسا بردت دماؤها؛ ينزعهم العرق الأجنبي من أمهاتهم اللائي ولدنهم إذا حمي دم البلاد لبعض أغراضها، ويكونون في أمراضها من أسباب موتها، وفي صحتها من أسباب أمراضها!
ما لكم تنزلون أنفسكم منزلة الطفل البكر من أهله: ليس له إلا حظوظه وشهواته؛ مسوغا كل ما يقترحه عليهم؛ لأنه هو كان اقتراحهم على الله؛ محمولا على قلوبهم؛ لأنه بعض قلوبهم؛ يفسد المتاع، ويحطم الآنية، وتنزو به النعمة نزوتها؛ فتجعل نصف عقله جنونا، ونصف أدبه حمقا، ونصف المنفعة به ضررا، ونصف ظرفه عنتا، ونصف لينه مشقة؛ ويكون خيره نصف الخير، أما شره فشر اثنين؛ فهلا كنتم من أهل بلادكم كالأب من أولاده: يرى حق ضعفهم أكبر من الحق الذي لقوته، وواجب مرضهم فوق الواجب لصحته؟ فهو يبذل سعة نفسه في ضيق أنفسهم، ويحملهم صغارا ليجعلهم كبارا، ويصبر عليهم حمقى ليجعلهم عقلاء، ويرى عمره كأنه من بعض أرزاقهم، وهو لا يستخلف من العمر شيئا، وحواسه كأنها من بعض خدمهم، وما له غير حواسه، ويراهم كأنما جاءوا إليه من السماء بعد أن اشتروه من الله، وباعه الله منهم بتلك النقطة الشابكة فيهم من دمه!
ألا ليتكم جئتم للبلاد من أوروبا بمحاريث، بدلا من هذه المواريث، وجئتم بالسماد بدلا من هذا الوساد،
8
وبالبهائم للسواني، لا بالحلائل والغواني،
9
وببضائع الحوانيت، لا ببضائع أنطوانيت ... وليتكم إذ كنتم رجالنا لم تغلبكم نساؤهم، وإذ كنتم سيوفنا لم تأسركم دماؤهم، ويا ليتكم لم تتنعموا وتتأنثوا، فكانت البلاد تجد منكم أهل البأس، ولم تتعلموا وتتخنثوا، فكانت الأرض على الأقل تعرف منكم أهل الفأس! •••
ذلك هو الرجل، أما صاحبته فامرأة فرنسية، جميلة الوجه في طلعة الصبح، شابة الجسم شباب الضحى، ملتهبة الأنوثة كشعاع الظهيرة، رقيقة الطبع رنة الأصيل، زاهية المنظر في مثل شفق المغرب من تأنقها، ثم هي تنتهي من كل ذلك إلى مخير أشد ظلمة من سواد الليل ... ومن أين اعتبرتها ألفيتها رذيلة مهذبة، يترقرق فيها ماء العلم، ويجول في حسنها شعاع الفلسفة، كأنها عين فاتنة تدور فيها دمعة دلال!
ولم أكد أراها حتى أخذني جمالها؛ فإن لها عينين ركبتا تركيبا يجر المصائب على القلب، تلهبان أشعة ضاحكة أو عابسة، يخلق منها للقلوب حوادث وتواريخ، وترمى بنظرات تبرئ الصدور أو تمرضها، وتبسم بوجهها كله نوعا من الابتسام يكاد يسيل من كل ناحية في وجهها قبلات؛ أما افترار شفتيها فهو جمال على حدة يشبه نقل معاني الخمر من فم إلى فم ...