تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

ولا تطوح في بحر من أبحارها؛ إلا وأنت واجد من مثل ذلك معاني في نفوس النساء؛ كأن هذه المرأة تمثال مصغر خلق بمعانيه في مقابلة الأرض بمعانيها؛ فهي في روح الرجل إما الخصب أو الجدب، وهي له في الحياة إما الملح أو العذب، وهي منه العامر والخراب، ولكن في القلب! •••

كان صاحبنا فتى تلمع عليه غرة الشباب، وقد رق حتى كاد يخالط حد الأنوثة، ولان حتى قارب أن يفوت معنى الرجولة، وظرف حتى أوشك أن يكون إنسانا تتفتح في روحه معاني الزهر، ولكنك إذا كنت رجلا صحيحا أمررته على عينيك كما تمر كتابا لا تريد أن تقرأه!

فقد تمدن في أوروبا، ولبث عن قومه ما شاء الله،

5

ثم رجع إليهم كأن أمه لم تلده، وكأن أباه جده الأعلى ... فبينه وبين أبيه هذا بضعة أجداد، منهم المسيو أو المستر أو السنيور أو (الهر ...)، وأصبح يحس أن كل شيء في هذا الاجتماع الشرقي مسلط على نفسه الرقيقة النحيلة بالغلظة والجفاء، والعنت والأذى، كأنه (رحمه الله ...) ابن الضباب، فلما برز إلى هذه الشمس، وضحا في أشعتها الحامية جعل يذوب ويتبخر!

وكان من هؤلاء الفتيان الذين إذا تعلموا في أوروبا نفوا جهلهم بالعلم، ثم نفوا علمهم بجهل آخر ... ثم جاءوا كحرفي النفي: ما، ولا ... فليس منهم إلا التكذيب، والإنكار، والشك. وتراهم أظرف وأجمل وأزهى من فراشة الربيع، لا يريدون الحياة إلا أزهارا، ولا يطيقونها إلا ربيعا، وعلى أزهارهم وربيعهم، فليس لنا منهم إلا نقط من الألوان، وأصوات من الطين ... وأجسام ليس فيها رجالها! •••

سألت هذا الفتى مرة: أنت مصري؟

قال: ووطني صميم!

قلت: أفترى أنك تصلح في علمك وتهذيبك أن تكون مثالا يتأسى بك نشء بلادك؟

قال: إني لأرجو ذلك.

قلت: وأنت من القائلين بتحرير المرأة الشرقية، ومساواتها بالرجل في الحرية المطلقة، وبعثها من هذه القبور التي تسمى المنازل؟

قال: ذلك مذهبي!

قلت: فكيف ترى إذا اقتدى بك المصريون فأصهروا إلى الأوروبيين، وخلطوا الشمل بالشمل؟

قال: لعل ذلك خير الطب لبلادنا، فلا معدل عنه في رأيي؛ إذ يأتيها بالدم الجديد، ويدمج في طباعها النظام والدقة، ويبني البيوت من داخلها.

قلت: أحسنت بارك الله عليك؛ فكيف ترى إذا سألناك التسوية، وقلنا لك: دع أختك تصب إلى رجل أوروبي، وتتزوج منه إجارة ... وتأت به إلى مصر كما أتيت أنت بصاحبة بيتك! ثم لتفعل كل امرأة مصرية فعلها، فيكون لكم أوروبيات، ويقوم عليهن أوروبيون ...؟

قال: أعوذ بالله!

قلت: فعل الله بك وفعل! أفيبلغ من غفلتك أن لا تعرف لعنة الله إلا إذا رأيتها ملء مملكة، ولا تعرف حق وطنك فيك إلا حين تراه غريبا منقطعا، لا حق له في واحد من أهله، ولا تدرك واجب التضحية بلذاتك وشهوات نفسك إلا بعد أن ترى الوطن من اضطراب الموت في مثل حال الذبيحة تدحض برجلها تحت سكين الذابح؟

قال: فما أنا وأمثالي إلا شذوذ من القاعدة التي يجب أن تبقى أبدا قاعدة ...

قلت: فعليكم غضب القاعدة، ومقتها وسخطتها، والله لأن تفجع البلاد فيكم جميعا، وتستركم بالقبور رمة بعد رمة، خير من أن تتقلد منكم بلية الحياة في اختلاط الأنساب، وارتداد الأسماء العربية عن دينها،

6

وكساد النساء الشرقيات، وتخنث الرجال الشرقيين، وتدسس هذه العروق الفاحشة اللئيمة في ذرية الوطن.

قال: فكم من امرأة وطنية هي حمل على ظهر زوجها!؟

قلت: وكم من امرأة إفرنجية هي كية على قفا صاحبها

7 ...؟

قال: فماذا نصنع ونساؤنا جاهلات لا صبر عليهن؟

قلت: أفتزهق روحك إذا مرضت أم تطب لمرضك في أناة وصبر؟ وهل تفر من وطنك إذا ابتلاك بتضحية، أم تثبت وتتجلد؟ ثم ماذا أفدنا من علومكم إذا لم يحمل كل عالم منكم جاهلة منهن؛ فيعلمها، ويثقفها، ويخلصها إخلاص الذهب الصافي، ويربح ثواب الوطن فيها؟ وإذا كنتم تهملون نساء بلادكم؛ لأنهن جاهلات، فحدثني أفلا يزيدهن ذلك جهلا وضياعا، ويضاعف مصيبة البلاد فيهن وفيكم، ويكون تركهن الذي قد يستصلح سببا لما وراءه من الفساد الذي لا صلاح له؟

السحاب الأحمر · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ١٢