تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

امرأة ساحرة لا أدري إن كانت بنيت على السحر، أو على الحب، ولا إن كان هذا الحب قد خلق لعنة عليها أم هي خلقت لعنة عليه، والحب دائما بركة امرأة، ولعنة امرأة! والتي تزرعه في كل مكان هي التي لا تحصد منه شيئا، فإن نالها شيء منه كان تعبا عليها، روحا لسواها.

وأشد ما في هذه المرأة الجميلة من الفتنة، اجتماع شهواتها في صوتها الندي المستطرب المتحزن،

10

الذي لا يخلو أبدا من حرف تسمع فيه همس قبلة من قبلاتها!

بيد أني مع كل ذلك استعصمت بفلسفتي وحكمتي؛ فلم أرها إلا في مثل حريرة التفاحة إذا أفرط عليها النضج فابيضت، واحمرت، وفاحت، ولمعت، وإن العفن لباد من تحتها، يحذر منها وينذر، وفي مثل فروة الدب: استرسلت ولانت في نعومتها، ولكن لا منفعة منها إلا بقتل لابسها، وإزهاق الحيوان كله في سبيل الجمال الظاهر من جلده.

ونظرت إليها نظرة تخطت بها الشباب وأيامه، فإذا هي بائسة أملق الدهر حسنها ،

11

وكان ذهبا على جسمها وفضة، وإذا هي عجوز هالكة قد انحنت تحت لعنات ماضيها، وتركتها دنياها كالسجن المتهدم: لا يذكر مع انتفاضه إلا بلصوصه ومجرميه، وعقابهم وآثامهم، وتشقى بمعانيه بعد الخراب حتى حجارته، وحتى ترابه!

وأبصرت في هذه الحسناء اللعوب التي تستوقدها الضحكة بعد الضحكة، تلك الهامدة المريضة التي تطفئها الحسرة بعد الحسرة، وسقطت الشجرة الخضراء النامية، فإذا في مكانها جذع خشبي ملقى، زهد فيه نور السماء وطين الأرض معا!

وتمثلت لي هذه المتكئة على طرازها وأرائكها تتبرج في سندسها وحريرها، فرأيتها ممدودة في حفرتها، مسجاة بأكفانها، قد هيل عليها ترابها، ولم يرحمها راحم، ولا النسيان يستر رذائلها عند من عرفوها، وقد اجتمع عليها بعد عشاقها من دود الناس ... عشاق آخرون من دود الأرض، ويفنى جسمها حين يفنى، ويبقى ضميرها الروحي إلى الأبد ضمير مومس!

فلما وضعت أمرها على ما خيل إلي من عاقبتها، إذا هي تفور كما يفور النبع القذر بالحمأة التي فيه،

12

وإذا هي كالخشبة المتقدة في حريقها: من فوقها ظلل من النار، ومن تحتها ظلل،

13

وإذا جمالها قد استحال في عيني، وانفصل منها؛ فأظهرها، وظهر معها في بريق الزجاجة من الخمر بجانب السكير المتحطم، تتساقط نفسه مرضا وسكرا، فكل ما كان فيها

14

جمالا فهو فيه أقبح القبح!

ورثيت لها أشد رثاء وأبلغه في الرحمة والرقة، حتى عادت نظراتها تقطر على نفسي دموعا سخينة كدموع الذل! ويا حرة قلبي من الإشفاق عليها، وأنا أرى في احمرار جمرتها سواد فحمها، وفي أسباب سرورها أسباب همها! ويا لهفي عليها إذ أرى هذه الجميلة التي لم تنظر أكثر ما نظرت إلا إلى الخطيئة، ترفع نظرها أحيانا إلى السماء بقوة في داخلها، كأنها تقول لمن يفهم عنها: إن هنا القدر، وهناك المقدر! ويا بؤسها حين لم تعد تظهر في روحي إلا كما يتخايل ظل القمر في الماء؛ أنظر فيه الصورة من غير معنى، والضوء من غير قبس، وأرى فيه الخيال، وليس فيه القمر! •••

وألمت بما في نفسي، وكانت تقرأ في وجهي قراءة ؛ فإنه ليس ذو عينين، ينكشف لعينيه سر العاطفة الذي يترقرق في الدم إلا من خالط القلوب، وغلب عليها بخير ما في الخير، أو شر ما في الشر، فهو يتدسس إليها مع ملائكتها، أو مع شياطينها، وإنما خلقت هذه المرأة وأمثالها في هذا الجمال، وهذا الظرف وهذا الفساد؛ لتستطيع أن تمزج الشيطان بقلب من تغتره

15

مزج المادة والمادة بواسطة بينهما من قوة ثالثة متهيئة لهما معا، فهي بجوهرها مسلطة على القلب، غالبة على أمره كتسلط السرور والكآبة، وغلبتهما طبعا بما فطر الإنسان عليه.

وقلما لصق الشيطان بقلب ما لم تكن في هذا القلب مادة من اللذة أو الكآبة، فكلتاهما كيمياء الخطيئة، والمعصية، والشك، ولرب عابد زاهد طاحت به كآبته فقذفته إلى النار كما تقذف بالفاجر لذاته، فيلتقيان منها في غمرة واحدة،

السحاب الأحمر · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ١٤