تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الرضيع، هذا اليتيم في حياة أبيه، هذا المسكين الذي ابتدأ تاريخه بجريمة لا يد له فيها، هذا الضعيف الذي لا يزال جلده أرق ديباجة من ورق الزهر، ومع ذلك تدق فيه منذ الآن مسامير الفقر واليتم والضياع؛ أما الرضيع اليتيم المسكين الضعيف، فكان وحده بين هذه المصائب الماحقة دليلا على الأمل الإنساني في رحمة الله، إذ فتح عينيه للنور وابتسم! •••

نزت كبدي

19

لما رأيت الحب الهالك يستنفض امرأة السجين، ويسوقها جامحة في عنان الغيظ تترامى على وجهها.

كانت المرأة غريقة في يأسها، وكان شاطئ الأمل يفر أمام عينيها فرارا؛ لأن بينها وبينه موجة دمعها.

وقد صدع الحب في قلبها صدعا ليغرز فيه الشوكة المستجدة من ألم الفراق لمن تحبه؛ تلك الشوكة التي ما نفذت قلبا؛ فاستقرت فيه إلا جعلت الحياة كلها معاني شائكة حتى تحطم أو تنتزع.

امرأة والهة، فيها نفسها المعذبة، وفي نفسها رجلها المعذب، وبين هذين طفلها اليتيم الذي يقتضيها أن تظل حانية عليه حنو أبوين؛ فهي تجمع على قلبها عذاب ثلاثة قلوب، وتتألم بنفسها الواحدة ألم الرثاء لزوجها الذي نزلت به العقوبة في جسمه وروحه، وألم الإشفاق على مجدها الذي نصب على أعين الشامتين في موضع الذلة، وألم الرحمة لطفلها الذي بلغ سن الهم، وهو لا يزال في الثدي،

20

وألم اللوعة لحياتها التي لم تعد الأيام تناجيها بغير لغة الدمع، وألم الأسى على شبابها الذي تساقطت آماله كما تحط الشجرة الخضراء أوراقها لتجف!

ألا يا ماء البحر، ما أنت على أرض من الملح؛ فبماذا أصبحت زعافا

21

لا تحلو، ولا تساغ، ولا تشرب؟ إنك لست على أرض من الملح، ولكنك يا ماء البحر ذابت فيك الحكمة الملحة! •••

ما الفراق إلا أن تشعر الأرواح المفارقة أحبتها بمس الفناء؛ لأن أرواحا أخرى فارقتها؛ ففي الموت يمس وجودنا ليتحطم، وفي الفراق يمس ليلتوي، وكأنه الذي يقبض الروح في كفه حين موتها هو الذي يلمسها عند الفراق بأطراف أصابعه!

وإنما الحبيب وجود حبيبه؛ لأن فيه عواطفه، فعند الفراق تنتزع قطعة من وجودنا؛ فنرجع باكين، ونجلس في كل مكان محزونين، كأن في القلوب معنى من المناحة على معنى من الموت!

وكل ما فيه الحب فهو وحده الحياة، ولو كان صغيرا لا خطر له، ولو كان خسيسا لا قيمة له، كأن الحبيب يتخذ في وجودنا صورة معنوية من القلب! والقلب على صغره يخرج منه كل الدم، ويعود إليه كل الدم.

في الحب يتعلم القلب كيف يتألم بالمعاني التي يجردها من أشخاصها المحبوبة، وكانت كامنة فيهم، وبالفراق يتعلم القلب كيف يتوجع بالمعاني التي يجردها هو من نفسه، وكانت كامنة فيه.

فترى العمر يتسلل يوما فيوما، ولا نشعر به، ولكن متى فارقنا من نحبهم نبه القلب فينا بغتة معنى الزمن الراحل، فكان من الفراق على نفوسنا انفجار كتطاير عدة سنين من الحياة.

وترى العمر يمتلئ شيئا فشيئا، ولا نحس الزيادة كيف تزيد: فإذا فارقنا من نحبهم نبه القلب فينا معني الفراغ؛ فكان من الفراق على أكبادنا ظمأ كظمأ السقاء الذي فرغ ماؤه فجف، وكان الفراق جفافه.

ألا يا طائر الحب، إن لك إذا طرت جناحين؛ فما أقرب من هو على جناح الفراق ممن هو على جناح الهجر.

| هوامش

الفصل الرابع

| الربيطة1

واطلع في سحابي هذا الشيطان الذي تتلألأ على وجهه مسحة ملك،

2

فهو أخبث الشياطين؛ لأنه يسوق إلى الهلاك في نزهة على شاطئ نهر الحياة.

هي فلانة؛ كانت امرأة فرنسية ربيطة لرجل عرفته قديما لأعرفها منه فأكتب عنها رأي العين، وأكون أفهم بها، وأدنى إلى حقيقتها؛ كما يريد عالم الطبيعة أن يكتب عن بركان يتأجج؛ فهو يدلف إليه

3

يطأ على أرض كأن ترابها حريق يتنفس آخر أنفاسه!

ما ساح رجل في العمران، ولا ضرب في مجهل من الأرض، ولا ضل فيه تيه منها، ولا كشف للناس غمضا من غموضها،

السحاب الأحمر · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ١١