إن ألذ المعاني في هذا الجمال ما جعل ينبو في يديك كلما ألقيتهما عليه كيلا تستمكن منه؛ ففي كل نبوة يظهر لك منه جانب وأنت معه في ارتفاع وانخفاض أبدا، ولا تزال تجري ويجري، أما أنت فتشتد جهدا في سبيله، وأما هو ففي سبيل منبعه من الجمال الأعلى الذي أفاضه موجة منه، فكأنك ذاهب إلى الجنة حيا، لا يمر بك إلا في روح، وريحان على طريق من لذة النفس لا تنتهي؛ إذ هي من حيث لا نعرف إلى حيث لا نعرف، وتغدو كأنك في تلك اللذات الروحية طفل لا يكل ما دام في عمر الحب، والحب الروحي الصحيح إنما هو كالطفولة لا تعرف وجه الفتى إلا شبيها بوجه الفتاة فليس فيه تذكير وتأنيث، بل حالة متشابهة كاخضرار الشجر تبعث عليها الحياة حين لا يجيء الحسن فيها إلا من جهة القلب، وما أرى الشجرة حين تخضر إلا قد نبتت فيها كلمة من قدرة الله ذات حروف كثيرة؛ ولا الزهرة حين تتعطر إلا قد لاح في جمالها معنى بديع من حكمة الكلمة الإلهية، ولا الإنسان حين يعشق عشقا صحيحا كما تروح الشجرة وتنفطر،
7
إلا قد صار قلبه كتابا من تلك الحكمة النقية الجميلة المعطرة.
كذلك يكون هذا الحب عند الذين خلقوا للشعر والحكمة إذا هم اتصلوا به فإنه لا يهبط إليهم من السماء إلا ليملأ أوعيتهم؛ وفي هؤلاء خاصة يكون الحب الإنساني هو السرب
8
الذي يتخذونه سبيلهم إلى غور ما
9
في الأمواج الإلهية العظمى التي لا تنتهي أعماقها؛ فيغوصون ويخرجون وفي أيديهم أفلاذ الحكمة ولآلئها؛ ومن شفتي المرأة الجميلتين يخرجون للناس كلام السموات.
أما الآخرون ... فتلك عقول كادها بارئها.
10
عقول الناموس الأصغر العامل في حرث الأرض
11 ... يضم أحدهم يديه على الجمال فيتلقفه فيجعل أصابعه أعواد القفص لهذا الطائر ويقول له: لطالما التمستك في جو السموات، وطالما كنت وكنت فهاهنا فاستقر، ولا يراه بعد قليل إلا كما اغترف غرفة من الموجة؛ كانت حركة تفور فأصبحت سكونا هامدا، وكانت ملء البحر فصارت ملء الكف، وكانت موجة فصارت ... آه فصارت بصقة ... •••
أقول لك أحببتها لا كهذا الحب الذي تراه وتسمع به في رواية تبتدئ وتنتهي في جزأين من رجل وامرأة؛ ولا كالحب الذي يؤلفه الكتاب والشعراء حين يجمعون عشرين معنى في كلمة، أو يرسلون عشرين كلمة لمعنى ... ولا كالحب الذي يباع ويشرى فتأخذ منه بالدينار أكثر مما تأخذ بالدرهم ... ولا كالذي تجيئه وأنت من الإشراق والنور كزجاجة الخمر فيعيدك وأنت من الظلمة والسواد كزجاجة الحبر ... أحببتها ولا كالحب نفسه، منذا الذي قال: «من يهلك نفسه من أجلي يجدها»؟ أظنه المسيح، وقد كانت هي تتمثل بها كثيرا؛
12
ولكن هذه الكلمة بعد كلمة الحياة الأزلية التي تقول للناس حين يشكون فيها: موتوا لتعرفوا، كلمة الجمال الأعلى الذي يقول للشمس حين تصفر: أغربي لتصبحي بيضاء حية في النهار، كلمة الحب الصحيح الذي يقول للمبتلى به: تعذب لتعرف كيف تتخيل السعادة وتتمناها، كذلك تراني لا أحب إلا لثلاث: لأعرف وأحس وأتخيل؛ ولا أهلك بالحب إلا لثلاث: لأوجد في نفسي وأبقى في نفسي وأضم نفسا إلى نفسي. •••
أفهمت أيها الصديق أم أزيدك؟ هأنا أهبط عليك من الفلك الذي تقول إني لمسته حين لمست قلبها، فاعلم أني لا أحب فيها شيئا معينا أستطيع أن أشير إليه بهذا أو هذه أو ذلك أو تلك؛ حتى ولا «بهؤلاء» كلها ... إنما أحبها؛ لأنها هي هي كما هي هي، فإن في كل عاشق معنى مجهولا لا يحده علم ولا تصفه معرفة، وهو كالمصباح المنطفئ ينتظر من يضيئه ليضيء فلا ينقصه إلا من فيه قدحة النور
13
أو شرارة النار، وفي كل امرأة جميلة واحدة من هذين، ولكن الشأن في تحرك القلب حتى يدني مصباحه لتعلق به الشعلة فيتقد وما يحركه لذلك إلا القدر، وما أحكم الناس؛ إذ يقولون في بعض حوادث الحريق أنها «وقعت قضاء وقدرا» فكل حريق القلوب لا يقع إلا هكذا ...