تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اجمع يا عزيزي إن استطعت سربا من الوحوش الضارية وصففها لونا إلى لون، وصنفها شيئا إلى شيء فإنك سترى في «جلودها» مكتبة ضخمة من هذه القوانين ... والوباء الذي يحلق الناس حلق الشعر فيتساقطون ألوفا ألوفا بجرة من يد الموت، والزلزال الذي يرجهم في سربال الأرض رج الحصى ينفيه من هنا وهنا، والمصائب التي تبسط العقوبة على النعم في سطوة كهدير الموجة العاتية حين تصارع العاصفة، والجميلة المغرورة التي تراها في أخلاقها من طراز كدماغ السكير الفارغ مزينا بخيالات الخمر وسورتها، كل تلك من «قوانين العقوبات» في العالم الذي خلق متهمين وقضاة ولا من يحامي ...

هذه التي سأقص عليك منها فلسفة الجمال والحب، قوة من القوى لم يجعل الله القسوة فيها إلا لعلمه بها؛ وما ابتساماتها الفاتنة إلا كسجن من البلور الصافي يختنق من يحبس فيه وهو يتلألأ ... وكنت أراها أحيانا في جمالها وتأثير جمالها كأنها طاووس من طواويس الجنة على ريشة فيه لون من ألوان النار.

نصيحتي لكل من أبغض من حب أن لا يحتفل بأن صاحبته غاظته، وأن يكبر نفسه عن أن يغيظ امرأة، إنه متى أرخى هذين الطرفين سقطت هي بعيدا عن قلبه فإنها معلقة إلى قلبه في هذين الخيطين من نفسه.

ما من قفل بلا مفتاح وإلا فما هو بقفل؛ والإهمال والازدراء وسمو النفس ثلاثة مفاتيح لقفل واحد هو قفل الغيظ.

| الرسالة الثانية

لقد هولت علي في كتابك حتى أخرجتني عن غيظي إلى غيظ آخر، تقول: «ويحك أراك أخرجت القمر من دراته وجئت به على أعين الناس؛ وإلا فمن تلك التي لمست الفلك الأعلى حين لمست قلبها فكأنما اجترأت على القدر فيها حلف ليتيحنك فتنة

1

تدعك وما يلوي منك شيء على شيء، ومن عساها تكون هذه التي ليس فيها إلا ما في الطاووس الميت من ريشه الجميل، وهي مع ذلك رضاك

2

في الحب وفي البغض سواء»، ثم تقول: «ولعلها رفعتك إلى الشمس والقمر والنجوم؛ لأنهم عشيرتها وأهلها ... فأنت تخاطبني في رسالتك الأولى وكأنك مرتفق

3

تحت جناح جبريل أو متكئ على بساط الريح، فتصف ما لا عهد لنا به من كلام مفوف كأنه غرف الجنة تفويفها لبنة من ذهب وأخرى من فضة، وتفويف كلامك جملة من الحب وجملة من البغض، وتنعت غراما كأنما فصل لك ثوبه من سحابة يمر فيها مقراض البرق، ففي كل ناحية منه فتق من النار»، وتسألني: كيف أجعل نفسي كالميت فلا أكتب إليك إلا يوم تحين الوصية ... ولا أخبرك إلا وقد حلت عقدة القلبين وانفسخت ألفة ما بينهما؟ •••

فيا ويحك ألا تعلم أن مرجل الباخرة حين ينقلب ماؤه لهبا أبيض فوق اللهب الأحمر؛ ينفث نفثة المارد الممدود بسلاسله في قاع الجحيم، فيرمي بسهام من الذر المحرق لو كان في جهنم رهج يثور لما كان إلا دقاق ترابها،

4

أم تراك لم تدرك من رسالتي أني أسع من بغض من أحببت فوق ما يملأني، و،ن هذا البغض وجه آخر من الحب كالجرح ظاهره له ألم وباطنه له ألم، وما يمسه من ظاهره غير ما ينكت فيه من باطنه، أم حسبت أني أزين لك صور الكلام وأزخرفها بألوان لا تلتمس إلا لرونقها وانسجامها وحسن تآلفها فمنها الأسود؛ لأنه أسود، ومنها الأحمر؛ لأنه أحمر، ومنها لون قلبها؛ لأنه لون قلبها ...؟

كلا ثم كلا فلا تنهدم علي

5

بمثل ما كتبت، واعلم أنه هو ما وصفت لك، وأن السحابة التي تراها تدمع حينا لا يبعد أن تراها قد تلففت على صاعقتها ثم اجتمعت أرحاؤها وبواسقها

6

ثم ارتجت ثم ... تنفجر.

ولم أكتب إليك من قبل؛ لأني أحب بلا غاية أباهيك بها، ولا غرض أستعينك عليه، ولا سر أستودعك إياه، وهل رأيت الحب ينكشف إلا في واحدة من هذه الثلاث، وهل انكشف قط إلا تتابعت عليه أمور وأمور، وامتلأت منه الأنفس بالظنون والغفلات؟

لقد أحببت فتاة كأنها قصيدة غزلية في ديوان شعر لا خطبة سياسية في حفلة ... فما ثم إلا معنى دقيق لطيف خلاب ساحر؛ كل قولي له: أريد أن أفهمك قوله لي تأمل تفهم.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ٨