ومتى قدحت الجميلة على قلب رجل أضاءته فيضيئها نوره بأمان من الحسن لا يراها ولا يدركها، ولا يصدق بها إلا صاحب هذا القلب، فلو أن الشمس دامت تصب أشعتها على طلعة هذه المرأة ألف سنة تحياها جميلة شابة لا تضعف ولا ترق سنها
14
لما كشفت لأعين الناس شيئا من تلك المعاني السحرية التي يكشفها ضوء قلب عاشقها لعينيه؛ وما ضوء قلبه إلا منها فلن تكون فيه إلا ما أحبت أن تكون فيه.
بيد أن مصائب المحبين إنما تأتي من انقلاب المصباح فيستطير حريقا لا ضوءا، وترى النار تعتلج في القلب وذؤابتها تتلوى في الرأس ويصبح العاشق مرنحا،
15
بما اعتراه من الوهن والضعف كأنه في جملته وفيما لبسه من الهم والسواد ما تراه من بقية بيت محروق. •••
رأيتها مرة في مرآتها وكانت قد وقفت إليها تسوي خصلة من شعرها الأسود الفاحم المتدلي عناقيد عناقيد، ولم يكن بها ذلك كما علمت بعد؛ وإنما أرادت أن تطيل نظرها في من حيث لا أستطيع أن أقول إنها هي التي تنظر؛ فإن ذلك الذي ينظر كان خيالها ... فلما انتصبت إلى المرآة خيل إلي أني أرى ملكا من الملائكة قد تمثل في هيئتها وأقبل يمشي في سحابة قائمة من الضوء؛ أو أن يد الله في لمح النظرة قد رسمت هذا الجمال على تلك الصحيفة يتموج في ألوانه الزاهية؛ أو هي قد أرادت أن تبعث إلي بكتاب يحتويها كلها، ولا يكون في يدي منه شيء فأرتني مرآتها.
ألا فاعلم أن هذه التي في المرأة، وهذه التي أمام المرأة، وهذه التي هي في قلبي؛ ثلاثة في واحدة، لو هممت أن أضع يدي عليها فرت من يدي لتختبئ في مرآتها، وتفر من المرآة لتختبئ في قلبي، فكأنما كنت أعشق مخلوقة من مخلوقات الأحلام لا تدرك بجميع أجزائها، وإذا أدركت بقيت وهما لا تناله يد، وهي كالملائكة قادرة على التشكل إلا أنها تتشكل في الذهن فبينا تراها شخصا جميلا إذا هي فكرة جميلة تتعطف عليها حواشي النفس، وبذلك تستطيع أن تشعرني أنها في، وإن كان بيننا من الهجر بعد المشرقين؛ وأن تنزل بالسلام على قلبي وإن كانت هي نفسها الحرب؛ وأن تجعلني أحبها وإن كان بغضها يأكل من جوانحي.
تراها مع أي أحوالها كالسعادة تخيلها هو هي .
ولولا ذلك ما احتملت غضبها وإن لها لغضبا تجمح فيه فتملأ جو النفس بمثل الغبار الذي يثيره الجواد الكريم إذا انجرد للسبق وترك أعناق الخيل تتقطع عليه ولا تلحقه، فتراه يغضب ويتميز ويحاول أن يسبق جلده، وأن يخطف أرض الله كلها في حوافره، تغضب على أسلوب من هذا الطراز أو من طراز البحر الزاخر حين ينقلع في أيدي الأعاصير، أو من طراز الأرض حين تتخلع في أيدي الزلازل، وأحيانا من الطراز الرقيق حين تتجاهل في غضبها محبا هي بعض تاريخه فتدعه يشعر أن فيه مكانا مجهولا، وأن من قلبه قطعة منزوعة، ومرة من الطراز العسير حين تلوي وتعقد حتى تتركني وكأني ما أجد في الدنيا مكانا هي فيه.
وكل هذه الأساليب شروح وتفاسير؛ أما المعنى الذي تدور عليه فهو هذا: داء الحب نقدا والدواء عند السين وسوف ... عند هذه الجميلة التي هي أكذب ما في الصدق عند محبها، وأصدق ما في الكذب على محبها.
| الرسالة الثالثة
حيلة مرآتها
حسناء، خالقها أتم جمالها
سألته معجزة الهوى فأنالها
لما حباها الله جل جلاله
بالحسن منفردا أجل جلالها
تضني المحب كأنما أجفانها
ألقت عليه فتورها وملالها
هيفاء قد حسب النسيم قرامها
غصنا فإن خطر التسجيل أمالها
سيالة الأعطاف أين ترنحت
تطلق لكهربة الهوى سيالها
طلبوا لها شبها ويضيء ضياءها
لهوى النواظر أو يدل دلالها
أما السما فجلت عليهم بدرها
والأرض قد عرضت لذاك غزالها
لكنها نظرت فأخجلت الظبا
وتلفتت للبدر فاستحيى لها
هم يطلبون مثالها فليرقبوا
مرآتها يجدوا هناك مثالها •••
مرآة فاتته النفوس وصفحة
تتلو بها أرواحنا آمالها
لما عجزنا أن نفصل وصفها