تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

وأنا كبرياء الكبرياء ما خلقت ألا محكم المعاقد لا أتثلم ولا أتحطم، وتقلبني في يدك ما تقلب عضلة الحديد فلا تراها من كل جهة إلا حديدا، هي يمين حلف الدهر بها ليكذبن كذبة بيضاء مغشاة يغر بريقها ويلتمع ماؤها لمع السراب؛ فتبصر فيها الروح معنى الري لتلتهب منها بالظمأ القاتل يفيضها على رمل ذهبي صبغته الشمس ... وأنا؟ أنا كلمة قد استوى ظاهرها وباطنها فإما أن تصدق كلها، وإما أن تكذب كلها، كلمة ليس فيها جزء محبوب وجزء مكروه فلا تحتمل أبدا معنيين، هي كالسيل تنحل به السحب؛ وأنا قمة من الصخر الصلد تغسلها السيول ولا تشققها.

ثم هي من وراء ذلك كله فيها روح بلبل يفر بأغانيه من ظل إلى ظل في رياض الجمال؛ وأما أنا ففي روح نسر يترامى بصفيره من جبل إلى جبل في قفار الحب، حاول العصفور الصغير الظريف أن يطوي النسر في جناحيه وهو لا يبلغ فصبة في ريشة في جناح هذا النسر، ولكنه ... آه ولكنه طواه في غير جناحيه. •••

أين العقل في الحب والبغض وبخاصة إذا أفرطت عليك أسبابهما؟ أما إن كل طريق لينفد فيه الإنسان على بصيرة إلا هذين؛ فإن أحدهما إذا احتواك لم يفلتك وأصبحت فيه كالذي يطاف به الدنيا ويداه في قيد، فمهما سوغ

18

من الحركة والاضطراب ومهما انفسحت له الآفاق فإن قدر ذراع من وثاق حريته الذي يشد يديه هو قياس دنياه في طولها وعرضها ما بلغت، فأنا على ما كنت أشعر من أن لي عقلين كنت أراني في ذلك الحب كأني بلا عقل، بل كأني مجنون من ناحيتين ... ويسرف علي بغضها أحيانا، فأتلهب عليها في زفرات كمعمعة الحريق

19

حين ينطبق مثل الفك من جهنم على مدينة قائمة فيمضغ جدرانها مضغ الخبز اليابس، ثم يسرف علي حبها أحيانا فينحط قلبي في مثل غمرات الموت وسكراته يتطوح من غمرة إلى غمرة، فأنا بين نقمة تفجأ وبين عافية تتحول، وكأنه لا عمل لي إلا أن أصعد مئة درجة لأهبط مئة درجة ... أما ماذا يرد علي الصعود والنزول فسل قصبة الزئبق

20

ولا تسلني، إنه سيال يترجرج في القلب بين شيء مني وشيء منها؛ وكانت عروقي كأنما ينصب فيها أحيانا دم قتيل فيهجم بالموت (الأحمر) على حياتي يريد أن يغولها.

إن تلك الفتاة لتغضب الملائكة الذين لا يغضبون؛ وقد خلق النساء لامتحان جنون الرجال وخلق الرجال لامتحان عقول النساء؛ وخلقت هي وحدها لجلب الجنون لا لامتحانه ... •••

أراني سأبتدئ أيامي من آخرها فإني لا أقصها عليك وهي تولد بل وهي تموت بعد أن تركتني كالقنبلة فرغ الحب من حشوها وتريد أن تنفجر، لم اكتب لك؛ إذ كان هواها ناشئا يرتع ويلعب، وإذ كان ينكسر انكسار فرخ الطائر حين يهدل جناحيه

21

لتمسحه أمه بجناحيها، ولا كتبت إذ كان هواها الجد أشد الجد، وإذ كان كالريح المرسلة لا تقف ولا تنكسر إلا إذا تدلى من السماء جدار يبلغ الأرض أو رفع من الأرض حائط يبلغ السماء، ولا حين كان الهوى يركض بي ركض المجنون الذي يجري وكأنه يجري وراء عقله الذاهب على غير طريق ولا جادة ولا علم،

22

فلا عقله يقف له ولا هو يدرك عقله، ولكني سأكتب وقد ركد الهوى؛ وقد ماسحت قلبي حتى الآن من غضبه؛ وقد اجتمع إلي رأيي الذاهب، ولا تحسبن أني سأخط لك قصة فيها اليوم والشهر والسنة، وفيها الزمان والمكان، وذلك السخف الذي يطولون ويعرضوه به إذ يستنهجون سبيل الحادثة من حيث تبتدئ إلى حيث تنحدر، فإن هذا مما يحسن في تاريخ صخرة تتدحرج، أما أنا فسأقدم إليك تاريخ لؤلؤة فريدة، هم يغطونك بقبة الليل تلمع في بعض جوانبها نور كوكب يظهر ويغيب، أما أنا أضعك في ساعة من السحر بين نسيمها وجمالها ورقتها ذيول الليل فيها، ثم ينشق لك الأبيض ذو الحواشي.

23 •••

ودعني أذكر البغض مرة أخرى قبل أن أنساه إن اللين في القوة الرائعة أقوى من القوة نفسها؛ لأنه يظهر لك موضع الرحمة فيها، والتواضع في الجمال أحسن من الجمال؛ لأنه ينفي الغرور عنه؛ وكل شيء من القوة لا مكان فيه لشيء من الرحمة فهو مما وضع الله على الناس من قوانين الهلاك.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ٧