تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم تحيرني المتناقضات ولا المتشابهات ولا ضقت بأسباب الفكر فيها فإن ذلك الحب جعل في عقلين لا عقلا واحدا؛ أحدهما يقرني في هذه الدنيا والآخر ينقلني إلى ثانية؛ دنيا الناس جميعا ودنيا امرأة واحدة؛ دنيا السموات والأرض ودنيا قلبي.

في العقل الأول تنحل كل المشكلات، وفي الثاني تتعقد كل «البسائط» ... أحدهما قوي فلو اجتمعت عقول أعدائه في عاصفة واحدة لكان وحدة عاصفة تلف بها لفا، والآخر ضعيف ضعيف تمرضه الابتسامة الواحدة مرضا طويلا، ذلك يكسر النفس كسرا ويرضها رض الهشيم

8

ويزعها من جمجاتها؛ وهذا؟ كان الله له لا يشبه إلا الفضاء ما نسب إلى شيء ولا حسب في شيء ... الأول جبار يلد المحنة ويميتها، فهو عقل ما ينقطع له من الحيلة مدد؛ والثاني خوار

9

يمتحن بالنظرة الفاترة المتهالكة دلالا فتحمل هذه المحنة وتلد في طريقها إليه فلا تصل حتى تكون محنتين ... وأنا بين هذين العقلين كأني عالم عجيب حقائقه هي خرافاته، وما مثلي إلا مثل النهر الطامي يتدفق إلى البحر وقد فار فائره؛ فلو سألت أحفى مسألة،

10

واستعنت بالفنون والأدوات جميعا لتعرف ما هو ذلك الموضع المعين الذي يصل بين منبعه ومصبه لكان الجهل والعلم في ذلك سواء؛ إذ الموضع في النهر هو كل موضع فيه على طول ما يجري ويمتد.

كذلك حيرة الحياة والحب يجاب عنهما بجواب واحد هو نفسه حيرة أخرى؛ ولكني اكتب الآن وقد تركت الحب وتركني، خرجت من المعركة فنشبت نفسي في معركة أخرى لا أدري أهي قائمة بين الحب والبغض أم بين الحب والحب؟

أرأيت قط ذئبا قد افترس شاة وجعل يفرفرها

11

بأظافره وأنيابه، وهي تنتفض يائسة هالكة؟ إن تكن رأيته فذلك ذئب رحيم لو أنت كنت عاشقا فرجعت لك من تهواها مما تحب إلى ما تكره فرأيت البغض وما يصنع بقلبك، إنما الذئب ناب وظفر وسورة وحش

12

يعتري أكيلته فيسطو بها فيذهلها عن نفسها، ثم لا يزيد بعد ذلك على طبيب جاهل في «عملية جراحية» ... أما البغض فذئب الدم؛ يساورك سورة الحمى فإذا هو شعلة طائرة في عروقك لا تدع منك موضعا إلا مسته، ولا تمس منك موضعا إلا نقعت فيه

13

مثل ناب الأفعى من وهج الحب وسمه وغيظه وألمه، فما تدري في أي ناحية عذابك من هذا البغض ولا من أي الآلام هو؟

ولن تظهر قدرة الجمال وما فيه من القوة الأزلية إلا إذا حملك على بغضه بعد أن يحملك على حبه فيقتلك مرتين كل مرة بسلاح، وكل مرة على أسلوب، وكل مرة بنوع من الألم، وذلك ضرب من العذاب لا تملكه قوة في الأرض لا في الملوك ولا في الجبابرة، ولكن تملكه بعض النساء الضعيفات، ويعذبن به حتى الملوك والجبابرة.

مهما يبلغ الألم في عذاب إنسان فلن يجاوز حالة معينة، ثم يغمى على المتألم ويستريح ولو دقت في عظامه المسامير؛ كالماء مهما توقد عليه فلن يعدو درجة معروفة في غليانه ثم يثبت عندها ولو أضرمت عليه من النار التي وقودها الناس والحجارة، غير أن ألم الحب الشديد حين يكرهك على بغضه نوع منفرد في كل آلام بني آدم كانفراد «ذئب الدم» في جميع ما خلق الله من المعاني الوحشية. •••

لم أر وصفا كهذا أفظع ولا أبعث على الرعب؛ لأنه إنما هو موصوفه ... فسأخفف عليك فيما يلي هذه الرسالة، ولا أذكر لك ثمت إلا ما يكون كوصف الجنة تزخرفت له ما بين خوافق السموات والأرض،

14

ولكن دعني أقل لك إني أبغض من أحبها، على أنك لو رأيتها لرأيت نفسها تلوح في وجهها، جميلة كجماله رقيقة كرقته محبوبة كحبه، ولكني مع ذلك أبغضها والله بغض المحرور لما يتلذع

15

من أشعة الشمس، وبغض العين الرمداء لما يتلألأ من إشراق الضحى؛ فلا يداخلك في ذلك ريب ولا شك، وسيبقى سبب هذا البغض من سر الحب الذي لا يعرف، إن بعض الأسرار فيه ضربة العنق

16

فلا يباح به وبعضها يكون فيه ألم النفس الكبيرة فلا يباح به كذلك: ولكن اعلم أنها هي هي وأنه أنا هو، هي الكبرياء كلها لا تستعذرها من شيء فتعذر، ولا تسمح بشيء إلا التوت به،

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ٦