لقد أقمت من نفسي لهذا الخلق جبلا، وإن هذا الجبل ليتدحرج عليه الصخر الصلد ويلصق به الحصي المسنون، وينغرز فيه الشوك الدامي، وتنبت منه الفروع المرة وترسو بين أطباقه العروق الضاربة؛ ولكنه على ذلك جبل وهو بذلك أتم روعة ورهبة، ولكل شيء مما عددت معنى في نفسي، ولكلها مجتمعة وحدها معنى آخر، ولجميعها مبعثرة يتخطى المعنيين في الجبل معنى ثالث.
فما أضيق بالناس ولا أتبرم،
6
ولي أبدا مع الضعفاء والأقوياء سفح ظليل مخضر وقمة عالية
7
متمردة؛ وإني على ما وصفت لأرى في أعماق هذا الطود الراسي بركانا يتزلزل به كلما اضطرم جاحمه؛ ذائبا في الأغوار البعيدة تمسكه الأرض إمساك العزيمة وتشد عليه شدة الصبر على أنه لجج من النار؛ فترى الطود الشامخ قائما على الأرض كأنه أرض مستقلة وفي جوفه ما يحطمه مما يمور ويضطرب،
8
وكأني إذ لا أحاسب الناس أحاسب نفسي بكل ذنوبهم إلي فأفجر عروق دمي عليهم، وكأن ذلك الكمال الإنساني الذي لا يزال بعيدا عني يحاول أن يقتلعني من أساسي لأثب إليه في أقاصي علوه.
إن النملة من النمل لتخاف على قريتها من قدم الطفل الرضيع ما نخاف نحن على كرة الأرض من أكبر نجوم السماء متى خشينا أن يتنفس عليها فيرسلها زفرة في صدر الأبد، وكم بين قرية النمل وبين كرة الأرض؛ وأين وطأة الرضيع من صدمة النجم؟ ولكن كل شيء فإنما هو باعتباره في نفسه وباعتباره لنفسه؛ ألا وإن الزلزلة التي يضرب بها ذلك الجبل القائم من نفسي إنما هي رقة الحب. •••
وإن تعجب فعجب ما ترى أن هذا القلب الإنساني لا يصبح هشيمة
9
في جنبي صاحبه يأخذ الناس منه ويدعون كيف شاءوا إلا إذا أنبت الله صاحبه المسكين من نبعة باسقة في مغرس طيب،
10
وأخرجه في صيغة كريمة وأودع في أعصابه ميراثا ساميا من الدم، ولقد تجد هذا الرجل الكريم ملء ذكائه دهاء ونكرا
11
ونفاذا في أعضل الأمور ينقع في الحوادث فكره كما ينقع الثعبان نابه المسموم، وقد تجده في بدنه شديد الفحلة معصوبا عصبا كأنه من عضلاته في لفائف الحديد؛
12
ولكنك تجد قلبه شيئا غير هذا كله، لا يسرع إلا في هدمه ولا يتركه يدور كما يدور غيره على الخطوط والأضلاع الطويلة من زوايا الحياة، بل ينفذ به إلى الهموم من أقطارها على استقامة؛ فما أسرع ما يتهدم وتتقصف سنه بعضها على بعض،
13
وربما كان في الأربعين فلا ترى إلا أن العمر يخيط في ثوب همه بأربعين إبرة.
بهذا القلب رأيتني كلما كبرت صغرت الدنيا في عيني، وكلما تقدمت دانيت أطرافها العليا فأصبحت أشعر حقا أن هذا العمر إنما هو سلم إلى السماء لا إلى غيرها؛ ومن هذا القلب اعتادت بعض سفن الأقدار أن تجد فيه حلقة ثابتة متينة تشد إليها حبالها إذا هي أرست على شاطئ الدهر بأحمالها، فالناس يتناولون منها خفافا وثقالا، ولكن الحلقة المعذبة لا عمل لها إلا أن تهتز وترتج من الألم والشدة والعنف.
وفي هذا القلب أعرف موضع كل شيء إلا نفسي ، فما أدري أهو من الضعة بحيث صارت فوق أن تنزل فيه، أم هو من السمو بحيث صار نفسا وحدها؟
ولكنه على الحالين أشقاني بهذه النفس وطوح بي وبها في مهاوي الأحزان إلى قرار بعيد. •••
في قلب كل إنسان معنى من الأزل؛ لأنه كان ذرة في يد الله، بيد أن هذه الذرة تمحق في بعض الناس أنواعا من المحق، فتصيب الرجل وأنه لعظيم جليل، ولكنه في ميزان الله لا يعدل مثقال ذرة من حسنة من رجل حقير؛ وتربو في بعض الناس وتتنفخ فإذا هي في وزن الجبل الراسخ بأعضاده
14
المترامي بنواحيه؛ فيا قلبي المسكين ما أنت منهما؟ لقد تعذبت بك طويلا وتقلدت منك بليتي فما تغمز بعللك ونزعاتك إلا في صميم الروح غمزا كوخز الإبر، ولا تضرب عروقي التي تستقي منك إلا على ألم تأتيني به؛ إذ كنت لا ترميني إلا بشر ما تجد من هموم الناس؛ وإذ ترى أن درس الشر والآلام إنما هو عنصر الفلسفة الأسمى، وإنما هو الفضيلة المنحلة لمن يريد أن يعلم ويرى كيف تتألف أجزاء الفضيلة في باطنها، فأنت تنتشط