الرجولة والضمير والدم الكريم: ثلاثة إذا اجتمعن في عاشق هلك بثلاث: بتسليط الحبيبة عليه وهو الهلاك الأصغر؛ ثم فتنته بها فتنة لا تهدأ وهو الهلاك الأوسط؛ ثم إنقاذها منه وهو الهلاك الأكبر ... ألا إن شرف الهلاك خير من نذالة الحياة.
| الرسالة التاسعة
القلب الكريم المتألم
إن رسائلي إليك أيها العزيز لتنتزع مني دواعي هذا الصدر المحزون
1
فإنها كفيضة الملآن،
2
ولكني أراها لا تذهب بهم أستريح إليه، إلا رجعت بهم ألتوي عليه؛ وقد يكون بعض العزاء عن المصيبة تفننا من المصيبة نفسها؛ كدمعة من يرثي لك من النكبة يجيئك بها تعزية ولها على نفسك الأبية غمز مؤلم قد يكون أشد من ابتسامة العدو الذي يشمت بك.
أكتب إليك في أحزاني اضطرارا أيها الصديق فأنت الجسم الثاني لروحي وقد هدم ذلك الحب صورتي الأولى فسكنت منك لصورتي الثانية، وما أعجب رحمة الله؛ إذ تحيل كل هم في هذا الإنسان الضعيف إلى قوة تبعثه على التماس العطف والرقة من كل النواحي الإنسانية؛ كأن في النفس بجانب كل شيطان ملكا إن لم يستطع تحويل الشر إلى خير أخرج منه نزعة من نزعات الخير.
واها لهذا القلب الذي أحمله فإنما هو عقل فيلسوف خلق على شكل القلوب؛ فهو يأتيني من كل شيء بشيء غيره حتى تلك التي أحبها جاءني منها بهذه التي أبغضها وبقي مع ذلك يتفلسف في حبها ... ولكنه قلب جليل سامي النزعة قار كالصبر مجتمع كالإيمان؛ يقول لكل حاسة أو عاطفة أرادت أن تتهضم في أو تستذل: يا سرحة الوادي لا يزال هناك جبل لا ينحني لعاصفتك.
قلب لا أدري أوهبني الله له أم وهبه لي فهو مثار الألم ومهبط الرحمة جميعا، ولقد ورد في أثر من الآثار إن العبد إذا دعا لأنسان قد اشتد بلاؤه فقال: اللهم ارحمه؛ يقول الله: كيف أرحمه من شيء به أرحمه، وكيف يرحمني الله من هذا القلب وقد رحمني به في ذات نفسي؟
إنما علة البلاء من ناحيتنا نحن، ثم من هذه الجهة الفانية جهة الجسم الذي يستيقن أنه يعيش ليموت، وهو مع ذلك يقبل المقدمات وحدها ويحاول دائما أن يفر من نتائجها كأن النتيجة ليست في المقدمة والآخرة ليست في الأولى؛ أما تلك الناحية الخالدة ناحية الروح فهي كما قيل في شجرة الصندل: تعطر الفأس التي تضربها وتحطم فيها.
هذا القلب هو سر الجمال الإنساني؛ لأن فيه بركة النفس وزينتها وسكنها؛ فالبركة تنبت من الخلق الطيب والزينة تخرج من الفكر الجميل والسكن يثبت بالإيمان واليقين؛ وما جمال النفس الإنسانية إلا خلق وفكرة وفضيلة مؤمنة. •••
ما زلت منذ وعيت كأنما أفرغ في قلبي هذا قلوب الناس بتوجعي لهم وحناني عليهم، وكأنما أعيش في هذه الأرض عيش من وضع رجلا في الدنيا ورجلا في الآخرة؛ أحفظ الله في خلقه؛ لأني أحفظ في نفسي الرحمة لهم وإن كان فيهم من يشبه في التلفف على دواهيه بابا مقفلا على مغارة مظلمة في ليل دامس ... وأتقى طائلة قلوبهم،
3
وألبسهم على تفصيلهم قصارا أو طوالا كما خرجوا من شقي المقص المجتمعين من الليل والنهار تحت مسمار الشمس؛ وأصدرهم من نفسي مصدرا واحدا؛ لأني أعلم أن ميزان الله الذي يشيل ويرجح بالخفيف والثقيل ليس في يدي فلا استخف ولا استثقل، وأعرف أن الفضيلة ليست شيئا في نفسها، وإنما هي بالاعتبار فلا أدري إن كانت عند الله في فلان الذي يحقر الناس أو فلان الذي يحقره الناس، وليس من طبعي أن أتصفح على الخلق
4
فإن من وضع نفسه هذا الموضع هلك بالناس ولا يحيون به، وتعقدوا في صدره كما يتعقد الماء العذب بالغصص المؤلمة، ورموه بذنوبهم من حيث لا يمحص عنهم شيئا،
5
وقد خلقهم من علمهم كيف يجيئون وكيف يذهبون؛ وما تقذف بطون الأمهات في هذه الأرض إلا تواريخ كتبت في الأزل كما قدر الله ولما قضاة فمن استقام فعلى الخط الذي امتد له، ومن زاغ فللدائرة التي انحرف به محيطها المائل من طرفيه إن سفل وإن علا.