تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

الحزن من كل شيء وتأتيني به لأتحزن وأتألم فألمس بالحزن والألم مصراعي باب السماء، وأنت تبسط على رواق المعاني المظلمة من الآلام والأحزان لأرى في ظلماتها أشعة روحي المضيئة بالإيمان والرضا.

رضيت يا قلبي المسكين أن تجتمع من حطامي المتناثرة وأن تكون سويا تاما، وأكون أنا الجسم الحيواني أشلاء وبقايا؛

16

فإني رأيت شر أهل الدنيا ذلك الذي هو أهنأهم بمتاعها حتى كأنه في شهواته ولذاته لم يجتمع إلا من حطام قلبه المتبدد، الشهوات واللذات تبني عالما والآلام والأحزان تبني عالما آخر، وهما يتجاوران كما يلتصق حائط الليل بحائط النهار؛ وأنت يا قلبي المتألم لا تشرف على العالم الأول إلا ما يشرف النظر العالي من البعيد البعيد؛ لأنك طود باذخ رسخت جذوره في العالم الثاني.

إن الإبرة الممغنطة

17

التي تهدي السفن باتجاهها لهي القلب الذي تحمل فيه السفينة روح الأرض؛ والقلب الإنساني هو كتلك الإبرة غير أنه يحمل روح السماء، ولولا حاسة الاتجاه الإلهي فيه لتمزقت علينا جهات الأرض

18

في أنفسنا فضللنا فيها وارتبكنا في فتوقها الواسعة حتى لا يهتدي إنسان إلى الجهة الإنسانية، ولكنا نتغافل عن هذه الحاسة فيه، وترى أكثر الناس لا يقبلون بأنفسهم إلا على جهة أجسامهم ويطوي أحدهم الدهر الفسيح من عمره وما ارتفع قليلا ولا كثيرا، بل يكون كالطير في قفصه يتخبط بين أرض وسماء، وما بين سمائه وأرضه إلا علو ذراع ... وإن أشد ما كانت الحياة وأشد ما هي كائنة على من لا يجد لذة قلبه فيها؛ وأصعب ما تكون الإنسانية على من يعظم بحيوانيته وحسب؛

19

فتراه وكأن مئة حمار ركبت منه في حمار واحد ولكنه حمار عظيم ...

وما رأيت قلبي يلتمس لذة من بعد إيمانه إلا في ثلاث: الفكر الإنساني الذي يهبط في أدمغة الفلاسفة والشعراء من أعلى السموات أو ينبع من أغوار النفس؛ والفكر الطبيعي الذي يملأ السماء والأرض نورا وألوانا وجمالا؛ والفكر الروحي الذي يتلألأ لخيالي في عيني الحبيبة الجميلة.

| الرسالة العاشرة

لقد وصفتها لك أيها العزيز وملأت رسائلي منها؛ غير أني والله ما أدري أوصفتها أم وصفت بها، وكتبت منها أم كتبت عنها، فإنما ذلك مطلب دونه أن تجعل وصف الجمر يلذع لذع الجمر؛ ومهما أكتب فإنها باقية في نفسي لا تنقص على قدر ما تزيد ... إن فيها شيئين هما الفكر والجمال، وفي شيئان هما الخيال والحب، وهذه الأربعة تنشئها في نفسي خلقا بديعا لم أره لامرأة قط، ففيها وحدها زيادة عن النساء؛ لأن فيها وحدها نفسي.

أما سمعت بذلك الأعرابي الذي قيل له ما بلغ من حبك لفلانة؟ فقال: والله إني لأرى الشمس على حائطها أحسن منها على حيطان جيرانها ... قد والله صدق وبرت يمينه فإن في كلماته الشعرية لأثرا من عينيه؛ إذ يرى الشمس على حائطها كالشمس على البلور الصافي لا على الحجر والمدر؛ فهناك أشعة أخرى من تلك التي وراء الحائط تنفذ إلى قلب هذا المسكين، فإذا هي سطعت لخياله في نور الشمس أضافت إلى النور ألوانا مختلفة من ذلك المعنى الجميل الحي فلا تكون الشمس في عينيه أحسن مما هي وقتئذ ولو أنها طلعت على حائط من اللؤلؤ.

ليس الجمال ما يعلم الكاتب أو يدرسه الفيلسوف، ولا هو مذهب من مذاهب التلفيق في الجمل والألفاظ، ولا هو كما صنع علماء الرياضيات الذين جعلوا الفلك كله بألوانه وجماله وما فيه من غموض الأبد مسألة حسابية ... والأرض بما انبسط عليها من جمال الطبيعة مسألة هندسية ... كأن الأزل كله خطوط وزوايا وأرقام؛ وتركوا جانبا حركة الفكر الأعظم القائم بالإرادة الأزلية؛ وهي التي تطالع العقل من كل شيء بمعنى والخيال بمعنى آخر ثم تكون هي في حقيقتها المجهولة معنى ثالثا، ولكنك مع ذلك واجد في الأرض من يتسكع ويحمل الشمعة ليفتش في ضوئها عن النجم العظيم ... •••

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ٢٤